الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

حديث أبي النجم العجلي مع هشام بن عبد الملك

الجزء ١ · صفحة ٢١٦

ويقال لرب البيت وربة البيت اللذين ينزل بهما الضيف: هي أم مثواه، وهو أبو مثواه، وأنشد أبو عبيدة:

من أم مثوى كريم قد نزلت بها … إن الكريم على علاته يسع

وفي كتاب الله جل وعز: " أكرمي مثواه " " يوسف: 21 " ، معناه عند العرب إضافته.

ومن التشبيه المطرد على ألسنة العرب ما ذكروا في سير الناقة وحركة قوائمها، قال الراجز:

كأنها ليلة غب الأزرق … وقد مددنا باعها للسوق

خرقاء بين السلمين ترتقي

قوله: ليلة غب الأزرق، إنما يعني موضعاً، وأحسبه ماء، لأنهم يقولون: نطفة زرقاء، وهي الصافية، قال زهير:

فلما وردنا الماء زرقاً جمامه … وضعن عصي الحاضر المتخيم

وقال آخر:

فألقت عصا التسيار عنها وخيمت … بأرجاء عذب الماء زرق محافر

وقوله:

وقد مددنا باعها للسوق

يقول: استفرغنا ما عندها في السير، يقال: تبوعت وانباعت، إذا مدت باعها.

وقوله:

خرقاء بين السلمين ترتقي

يقول: لكثرة حركة الخرقاء وقلة حذقها بالصعود.

وقال الآخر:

كأنها نائحة تفجع … تبكي بشجو وسواها الموجع

وقال الشماخ:

كأن ذراعيها ذراعا مدلة … بعيد السباب حاولت أن تعذرا

من البيض أعطافاً إذا اتصلت دعت … فراس بن غنم أو لقيط بن يعمرا

بها شرق من زعفران وعنبر … أطارت من الحسن الرداء المحبرا

تقول وقد بل الدموع خمارها … أبى عفتي ومنصبي أن أعيرا

كأن بذفراها مناديل قارفت … أكف رجال يعصرون الصنوبرا

كأن ابن آوى موثق تحت غرضها … إذا هو لم يكلم بنابيه ظفرا

شبه يديها بيدي مدلة بجمال ومنصب قد سابت وأقبلت تعتذر وتشير بيديها، فوصف جمالها الذي به تدل؛ ومنصبها المتصل بمن ذكرته.

وقوله:

أطارت من الحسن الرداء المحبرا

يقول: هي مدلة بجمالها، فلا تختمر فتستر شيئاً عن الناظر، لأنها تبتهج بكل ما في وجهها ورأسها.

وقد كشف هذا المعنى عمر بن أبي ربيعة المخزومي حيث يقول:

فلما تواقفنا وسلمت أقبلت … وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا

تبالهن بالعرفان لما عرفنني … وقلن امرؤ باغ أكل فأوضعا

وقربن أسباب الهوى لمقتل … يقيس ذراعاً كلما قسن إصبعا

فقلت لمطريهن ويحك إنما … ضررت فهل تستطيع نفعاً فتنفعا

قوله:

كأن بذفراها مناديل قارفت … أكف رجال يعصرون الصنوبرا

يقول: لسواد الذفرى، وهذا من كرمها، قال أوس بن حجر:

كأن كحيلاً معقداً أو عنية … على رجع ذفراها من الليت واكف

وهذا معنى يسأل عنه، لأن الليتين صفحتا العنق. والذفرى في أعلى القفا، فيكف يكف على الذفرى من الليت! والمعنى إنما هو كأن كحيلاً معقداً أو عنية واكف على رجع ذفراها.

وقوله: من الليت كقولك: كموضع دجلة من بغداد، إنما هو للحد بينهما، لا أنه وكف من شيء على شيء: وأما قوله:

كأن ابن آوى موثق تحت غرضها … إذا هو لم يكلم بنابيه ظفرا

يقول: ليست تستقر، فكأن ابن آوى يكلمها بنابيه أو يخلبها بظفره، فهي لا تستقر. وقال أوس بن حجر:

كأن هراً جنيباً تحت غرضتها … والتف ديك برجليها وخنزير

والغرض والغرضة واحد، وهو حزام الرحل.

وقال آخر:

كأن ذراعيها ذراعا بذية … مفجعة لاقت خلائل عن عفر

سمعن لها واستفرغت في حديثها … فلا شيء يفري باليدين كما تفري

قال أبو العباس: أنشدنيهما عبد الصمد بن المعذل، وأنشدنيه سعيد بن سلم . ولو قيل إن هذا من أبلغ ما قيل في هذا الوصف ما كان ذلك بعيداً، وصفها بأنها بذية، وقد فجعت بما أسمعت ونيل منها؛ ولقيت خلائلها بعد زمان وتلك الشكوى كامنة فيها، وأصغين لها فتسمعن .

والفري: الشق، يقال: فرى أوداجه، أي قطع، وفريت الأديم. وإذا قلت: أفريت، فمعناه أصلحت. وقول الحجاج: إني والله ما أهم إلا مضيت ولا أخلق إلا فريت. يقول: إذا قدرت قطعت. يقال: فريت القربة والمزادة، فهما مفريتان، قال ذو الرمة :

٢١٦ / ٣٣٦