حديث أبي النجم العجلي مع هشام بن عبد الملك
الجزء ١ · صفحة ٢٢٢ولم تلفظ الموتى القبور ولم تزل … نجوم السماء والأديم صحيح
فعما قليل ثم جاء نعيه … فظل ندي الحي وهو ينوح
ومن تشبيههم المتجاوز الجيد النظم ما قد ذكرناه، وهو قول أبي الطمحان القيني:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم … دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
ويروى عن الأصمعي أنه رأى رجلاً يختال في أزير في يوم قر في مشيته. فقال له: ممن أنت يا مقرور؟ فقال: أنا ابن الوحيد، أمشي الخيزلى ، ويدفئني حسبي.
وقيل لآخر في هذه الحال: أما يوجعك البرد؟ فقال: بلى والله، ولكن أذكر حسبي فأدفأ.
وأصوب منهما قول العريان الذي سئل في يوم قر عما يجد، فقال: ما علي منه كبير مؤونة. فقيل : وكيف ذلك ؟ فقال: دام بي العري، فاعتاد بدني ما تعتاده وجوهكم! ومن التشبيه القاصد الصحيح، قول النابغة:
وعيد أبي قابوس في غير كنهه … أتاني ودوني راكس فالضواجع
فبت كأني ساورتني ضئيلة … من الرقش في أنيابها السم ناقع
يسهد من نوم العشاء سليمها … لحلي النساء في يديه قعاقع
تناذرها الراقون من سوء سمها … تطلقه طوراً وطوراً تراجع
فهذه صفة الخائف المهموم. ومثل ذلك قول الآخر :
تبيت الهموم الطارقات يعدنني … كما تعتري الأوصاب رأس المطلق
والمطلق هو الذي ذكره النابغة في قوله:
تطلقه طوراً وطوراص تراجع
وذاك أن المنهوش إذا ألح الوجع به تارة، وأمسك عنه تارة، فقد قارب أن يوأس من برئه.
وإنما ذكر خوفه من النعمان وما يعتريه من لوعة، في إثر لوعة، والفترة بينهما، والخائف لا ينام إلا غراراً، فلذلك شبهه بالملدوغ المسهد.
وقوله:
لحلي النساء في يديه قعاقع
لأنهم كانوا يعلقون حلي النساء على الملدوغ. يزعمون أن ذلك من أسباب البرء، لأنه يسمع تقعقعها النوم فلا ينام، فيدب السم فيه. ويسهد لذلك.
وقال الآخر:
كأن فجاج الأرض وهي عريضة … على الخائف المطلوب كفة حابل
يؤتى إليه أن كل ثنية … تيممها ترمي إليه بقاتل
يقال لكل مستطيل كفة. يقال كفة الثوب لحاشيته، وكفة الحابل، إذا كانت مستطيلة. ويقال لكل شيء مستدير كفة، ويقال: ضعه في كفة الميزان، فهذه جملة هذا وكفة الحابل، يعني صاحب الحبالة التي ينصبها للصيد.
وأما التشبيه البعيد الذي لا يقوم بنفسه، فكقوله:
بل لو رأتني أخت جيراننا … إذ أنا في الدار كأني حمار
فإما أراد الصحة، فهذا بعيد، لأن السامع إنما يستدل عليه بغيره. وقال الله جل وعز وهذا البين الواضح: " كمثل الحمار يحمل أسفارا " " الجمعة: 5 " والسفر الكتاب، وقال: " مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار " " الجمعة: 5 " في أنهم قد تعاموا عنها. وأضربوا عن حدودها وأمرها ونهيها، حتى صاروا كالحمار الذي يحمل الكتب ولا يعلم ما فيها.
وهجا مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة قوماً من رواة الشعر بأنهم لا يعلمون ما هو، على كثرة استكثارهم روايته، فقال:
زوامل للأشعار لا علم عندهم … بجيدها إلا كعلم الأباعر
لعمرك ما يدري البعير إذا غدا … بأوساقه أو راح ما في الغرائر
والتشبيه كما ذكرنا من أكثر كلام الناس. وقد وقع على ألسن الناس والرجل بعين الظبية أو البقرة الوحشية، والأنف بحد السيف، والفم بالخاتم، والشعر بالعناقيد، والعنق بإبريق فضة، والساق بالجمار . فهذا كلام جار على الألسن: وقد قال سراقة بن مالك بن جعشم: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وساقاه ناديتان في غرزه كأنهما جمارتان، فأرده فوقعت في مقنب من خيل الأنصار، فقرعوني بالرماح، وقالوا: أين تريد؟ وقال كعب بن مالك الأنصاري: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر تبلج وجهه فصار كأنه البدر.
وعين الإنسان مشبهة بعين الظبي والبقرة في كلامهم المنثور، وشعرهم المنظوم، من جاري ما تكلمت به العرب، وكثر في أشعارها، قال الشاعر :
فعيناك عيناها وجيدك جيدها … ولكن عظم الساق منك رقيق
وقال ذو الرمة: