الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

حديث أبي النجم العجلي مع هشام بن عبد الملك

الجزء ١ · صفحة ٢٢١

أما قول حميد دعت ساق حر فإنما حكى صوتها، ويقال للواحد ذكراً كان أو أنثى: حمامة، والجمع الحمام، والحمامات، فإذا كان ذكراً قلت هذا حمامة، وإذا كانت أنثى قلت هذه حمامة. وكذلك هذا بطة وهذه بطة. ويقال بقرة للذكر والأنثى، ودجاجة لهما، فإذا قلت: ثور، أو ديك بينت الذكر، واستغنيت عن تقديم التذكير.

ويقال للحمامة: تغنت وناحت، وذاك أنه صوت حسن غير مفهوم، فيشبه مرة بهذا ومرة بهذا، قال قيس بن معاذ:

ولو لم يشقني الظاعنون لشاقني … حمائم ورق في الديار وقوع

تجاوبن فاستبكين من كان ذا هوى … نوائح ما تجري لهن دموع

وقوله: وانجال الربيع يقال؛ انجال عنا، أي أقلع، ومثل ذلك أنجم عنا. وإن قلت: أثجم فمعناه لزم ووقع، فهو خلاف أنجم. وإن قلت: انجاب فمعناه انشق. يقال: المجوب للحديدة التي يثقب بها المسيب. ويقال: جبت البلاد أي دخلتها وطوقتها. وفي القرآن: " وثمود الذين جابوا الصخر بالواد " " الفجر: 9 " أي شقوه.

وقوله: لم يكن من تميمة التميمة المعاذة وقد مضى هذا.

وقوله: وما تفغر بمنطقها فما. يقول: لم تفتح. يقال: فغرفاه. إذا فتحه .

وقوله:

ولا عربياً شاقه صوت أعجما

يقول: لم أفهم ما قالت، ولكني استحسنت صوتها واستحزنته، فحننت له.

ويروى أن بعض الصالحين كان يسمع الفارسية تنوح ولا يدري ما تقول. فيبكيه ذلك ويرققه. ويذكر به غي ما قصدت له.

قال أبو العباس: وحدثت أن بعض المحدثين سمع غناء بخراسان بالفارسية فلم يدر ما هو. غير أنه شوقه لشجاه وحسنه. فقال في ذلك:

حمدتك ليلة شرفت وطابت … أقام سهادها ومضى كراها

سمعت بها غناء كان أولى … بأن يقتاد نفسي من غناها

الغناء، الأول: المدود من الصوت. والذي ذكره بعد في القافية: من المال مقصور:

ومسمعه يحار السمع فيها … ولا تصممه لا يصمم صداها

مرت أوتارها فشفت وشاقت … فلو يسطيع حاسدها فداها

ولم أفهم معانيها ولكن … ورت كبدي فلم أجهل شجاها

فكنت كأنني أعمى معنى … بحب الغانيات وما يراها

وقال عبد بني الحسحاس:

وراهن ربي مثل ما قد ورينني … وأحمى على أكبادهن المكاويا

قال أبو العباس: والشيء يذكر بالشيء وإن كان دونه فنجري لاحتواء الباب والمعنى عليهما.

وفي شعر حميد هذا ما هو أحكم مما ذكرنا وأوعظ، وأحرى أن يمثل به الأشراف، وتسود به الصحف، وهو قوله:

أرى بصري قد رابني بعد صحة … وحسبك داء أن تصح وتسلما

ولا يلبث العصران يوم وليلة … إذا طلبا أن يدركا ما تيمما

ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كفى بالسلامة داء " .

ثم نرجع إلى التشبيه.

قال أبو العباس: والعرب تشبه على أربعة أضرب: فتشبيه مفرط، وتشبيه مصيب، وتشبيه مقارب، وتشبيه بعيد يحتاج إلى التفسير ولا يقوم بنفسه: وهو أخشن الكلام.

فمن التشبيه المفرط المتجاوز، قولهم للسخي: هو كالبحر. وللشجاع: هو كالأسد. وللشريف: سما حتى بلغ النجم. ثم زادوا فوق ذلك. من ذاك قول بعضهم وهو بكر بن النطاح، يقوله لأبي دلف القاسم بن عيسى:

له همم لا منتهى لكبارها … وهمته الصغرى أجل من الدهر

له راحة لو أن معشار جودها … على البر صار البر أندى من البحر

ولو أن خلق الله في مسك فارس … وبارزه كان الخلي من العمر

وقد قيل: إن امرأة عمران بن حطان قالت له: أما زعمت أنك لم تكذب في شعر قط! قال: أو فعلت؟ قالت: أنت القائل:

فهناك مجزأة بن ثو … ر كان أشجع من أسامة

أفيكون رجل أشجع من الأسد! قال: فقال: أنا رأيت مجزأة بن ثور فتح مدينة، والأسد لا يفتح مدينة.

ومن عجيب التشبيه في إفراط، غير أنه خرج من كلام جيد وعني به رجل جليل، فخرج من باب الاحتمال إلى باب الاستحسان، ثم جعل لجودة ألفاظه وحسن رصفه، واستواء نظمه، في غاية ما يستحسن قول النابغة يعني حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو الفزاري:

يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم … وكيف بحصن والجبال جنوح

٢٢١ / ٣٣٦