البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

تمهيد:

الجزء ١ · صفحة ٤٧٧

ويحلل الجيطالي المعنى كما يلي:" البيت الثاني يقول من مات على غير الوفاء بجميع الفرائض، وترك جميع الكبائر، فمصيره إلى النار والبوار، فإن قال القائل: كيف أبطلتم جميع طاعات العبد بترك خصلة واحدة؟ قيل له:(أوف بعهدكم) إن الثواب متعلق بالوفاء بجميع الدين، كما قال الله تعالى: ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم) (2 البقرة 40) فمن لم يوف بعهد الله فلا عهد له، ولأن الثواب فضل من الله تعالى من غير وجوب ولا إيجاب لأنه المالك القهار.

وأما في جوده وكرمه فنعم، فكما قال الله تعالى: ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين) (30 الروم47)، وله على عباده الأمر والنهي، فإن انزاحوا عن محارمه وامتثلوا أوامره، كان لهم عليه الوفاء فضلا وكرما، فإن تركوا خصلة منها كان عليهم العقاب فضلا عن الثواب" (57) .

هكذا يتضح أن في موقف الإباضية صرامة لا تصل إلى ما ينسب إلى الصفرية والأزارقة من شدة تتمثل في نفي عمن لم يهاجر إليهم، وتبعد بهم عن انحلال المرجئة الذين دفعوا الأمة الإسلامية إلى الاستهانة بالعمل أمرا ونهيا.

ومن هنا يتضح البعد الحضاري لهذا التصور الذي لم يتزحزح عنه الإباضية العارفون بعقيدتهم إلى يومنا هذا، ولن تتكامل الصورة إلا بعد معرفة موقفهم من حقيقة الكفر.

ولعله يحسن، قبل أن نتحول إلى ذلك، أن نذكر ما يترتب على الإيمان، وهو كما تبينا اعتقاد وقول وعمل لا يتحقق إلا إذا تكاملت أجزاؤه فإنه يزداد ويضعف ويقابله الشرك من حيث هو توحيد، وكفر النعم من حيث هو عمل، قد يكون عن اجتهاد وقد يكون عن تقليد في الدنيا والآخرة" (58) .

أما في الدنيا فيلخص ذلك شارح النونية كما يلي:" ولاية الموفى منهم بالدين وحبه وطلب الغفران له ونصيحته وإعانته على البر والتقوى، وترك ضره وبغضه واغتيابه، وغير ذلك من حقوقه الواجبة له ظاهرا وباطنا.

وأما في الآخرة فقد وعد الله تعالى بأن يفي بوعده ألا وهو جنة النعيم.

وبعد تعريف الإيمان فلنعرف الكفر.

حقيقة الكفر:

٤٧٧ / ٧٤٦