تمهيد:
الجزء ١ · صفحة ٤٧٨رأينا في الباب الأول عند الحديث عن افتراق الأمة كيف أن مختلف الفرق تسم بعضها البعض بسمة الكفر، وتتأرجح المواقف في ذلك بين طرفين متناقضين، طرف من عرفوا بالخوارج هؤلاء الذين تروي عنهم مصادر الفرق الأخرى أنهم يعتبرون كل من خالفهم كافرا مشركا، وإن صلى وصام، وطرف عرفوا بأهل الإرجاء هؤلاء الذين اشتهروا بقولتهم:" لا تضر مع الإيمان معصية". بين هؤلاء وأولئك تتنزل جميع الفرق الإسلامية، فما هي منزلة الإباضية في هذا الخصم؟ وما هو مفهوم الكفر عندهم؟ وما هو حكم الكافر في الدنيا والآخرة؟
لقد تبرأ عبدالله بن إباض إمام الإباضية من اللحظة الأولى من نافع بن الأزرق، وميز بين كفر الشرك وبين كفر النعم، واستمر هذا الموقف إلى يومنا هذا إلا أن بقية الفرق لم تنتبه إلى هذا التمييز بوضوح لأنها تحشر الإباضية في زمرة الخوارج فماذا عن كفر النعم؟
أ?) الإباضية وكفر النعم؟
إن هذا الموقف تأصل من وقت مبكر مع الأئمة الأول، ويتضح ذلك خاصة في ما جمعه الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح من أحاديث جاءت بعنوان:" الحجة على من قال إن أهل الكبائر ليسوا بكافرين" (59) .
وعوض أن أتتبع التطور التاريخي للقضية رأيت من الأصلح أن أعتمد خاصة على مصادر المرحلة المقررة في تعريف كفر النعم لأن هذا المصطلح ظل نفسخ عبر الزمن. (60)
الكفر لغة:
يورد الشماخي (61) والمحشي (62) أن الكفر هو الستر والتغطية، وسمي الليل كافرا لأنه يستر كل شيء بظلمته (63) وهو أيضا الجحود لقوله تعالى: ( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه) (3 آل عمران115) ويشير المحشي إلى أن كلمة كفر قد تعني البحر لأنه يحجب كل شيء كما أن الحارث يسمى كافرا باعتباره يستر البذر". (64)
فالكفر لغو حينئذ هو الستر والتغطية (65) .
الكفر شرعا: