البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

التطور التاريخي لقضية الوعد والوعيد:

الجزء ١ · صفحة ٥٠٣

فيأتي جواب أبي بكر حاسما ودقيقا:" ألم يقل الرسول " إلا بحقها؟" ألا إن الزكاة من حقها" (12) .

وبهد هذا الحوار الحاد بين موقفين متضاربين استقر الأمر على تكفير مانع الزكاة وانتهت حروب الردة بعد حين واستقر الوضع. وتستقر الخلافة زمن عمر وما كان للمسلمين وقت للجدل وهم مشغولون بتبليغ رسالة الإسلام في أطراف البلاد، ومع ذلك جاء في بعض أقوال عمر ما يوحي بأن التساؤل حول الوعد والوعيد مطروح ومن ذلك قوله:" الشاك في وعد الله كالشاك في الله، وما شكوا في وعد الله حتى شكوا في الله" (13)

. وكذلك ما جاء عن الحسن عن كعب (14)

قال: وقف عمر بن الخطاب على كدية من رمل، فجلس إليها فبكى حتى بل لحيته فقلت يا أمير المؤمنين ، ما يبكيك؟ قال ذكرت أهل النار فقلت: لو جعل عدد كل حبة من هذا الرمل ستة يعذبون على حسابها، ثم يخرجون من النار لطمعوا بالخروج يوما من الدهر، لكن لم يجعل لهم وقتا وما هم بخارجين منها أبدا" (15) .

وليس لنا أن نقتضي كل مواقف الصحابة وأقوالهم (16)

، والأساس أن كل ما ذكر يوحي بأن قضية التمييز بين المعاصي وما يترتب عليها من الأحكام ومن الوعد والوعيد تثار مع حدوث وقائع لم يكن لها مثيل زمن الرسول عليه السلام.

ويستفحل الأمر في أخريات حياة عثمان، وتختلف مواقف الصحابة تجاه بعض تصرفات الخليفة فمن مخطئ ومصوب ومتوقف، إلا أن مجرى الأحداث لا ينتظر أحدا، وتكون القطرة التي تفيض الكأس ويقتل عثمان، وينطلق النزاع الدموي ممزوجا بالجدل الكلامي خاصة حول حكم مرتكب الكبيرة ومصيره، ويشير ابن تيمية إلى أن الخوارج هم أول من أثار هذه القضية (17)

فحكموا عليه بالشرك- حسب ما ينسب إليهم- (18)

فحل دمه وسبيه وغنم ماله. (19)

إلا أن الأمر في رأينا لا ينحصر في هؤلاء، بل شملت القضية كل المسلمين خاصة وأن الانتماءات لم تكن واضحة كوضوحها الآن، وعلى هذا الموقف من مرتكب الكبيرة سينبني القول في الوعد والوعيد.

٥٠٣ / ٧٤٦