البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

التطور التاريخي لقضية الوعد والوعيد:

الجزء ١ · صفحة ٥٠٨

ولا أراني مضطرا بأن أورد مثل هذه الصيغة من أقوال جميع من كتبوا في أصول الدين إلى يومنا هذا، فلا اختلاف عند الإباضية في هذا الأصل. وأكتفي بما جاء عند عمرو التلاتي في كتاب نخبة المتين للتعبير عن رأي علماء المرحلة المقررة وهو:" واتفقوا (أئمة الإباضية) على أن الله تعالى لا يخلف وعده ولا وعيده…" (35) .

فالأساس حينئذ أن الإباضية ما يزالون منذ نشأتهم إلى يومنا هذا يتمسكون بموقف واحد ألا وهو صدق الله في وعده ووعيده، فكيف تتجلى العوامل التي دفعتهم إلى ذلك من خلال احتجاجهم لموقفهم وردهم على القائلين بخلف الوعيد من الفرق الإسلامية؟

تحديد من ينفذ فيهم الوعيد:

قبل أن نعرض الأدلة على إنفاذ الوعيد يحسن أن نحدد من يشملهم هذا الإنفاذ.

لقد سبق أن رأينا موقف الإباضية من الأسماء وما يترتب عليها من الأحكام (36)

وقولهم بأن مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة فهل أن جميع الذنوب تعتبر كبائر أم أن المعاصي مستويات متفاوتة؟..

لقد كانت هذه القضية مثار جدل من زمن مبكر فهذا ابن عباس يعتبر أن المعاصي من الكبائر باعتبار عظمة من يعصي. (37)

وعلى هذا الأساس بني الأزارقة موقفهم كما يذكر عنهم، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك واعتبروا أن كل عصيان شرك، وحجتهم في ذلك قوله تعالى: ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) (6 الأنعام 121). (38)

وما قعد عبدالله بن إباض منذ إجتماع صومعة البصرة عن هؤلاء إلا لمخالفتهم في الحكم بالشرك على جميع المسلمين واستحلال دمائهم وسبي ذراريهم وغنم متاعهم. (39)

ومن ذلك الحين اتضح لدى الإباضية عدم الخلط بين الشرك وبين بقية الذنوب فماذا عن المعاصي؟ وهل يترتب عليها دائما نفس الحكم؟

٥٠٨ / ٧٤٦