البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

متى لا تقبل التوبة؟

الجزء ١ · صفحة ٥٤٩

وان من أصر ولو على أخذ حبة بغير حق وجبت له النار ولو أمضى عمره في طاعة الله عز وجل وأنفق ماله في سبيل الله ولا يقبل منه شيء من ذلك ولو مثقال ذرة حتى يتوب، فإن تاب رجونا له أن يجدد الله له ثواب عمله السابق منه حال إصراره كما يدل لذلك نحو قوله صلى الله عليه وسلم :" من كذب وأصر فهو في النار مخلد" وقوله عز وجل في الحديث القدسي:" لا أقبل عثرة المصرين في الدنيا والآخرة" (74) .

وإن الإصرار على المعاصي لا شيء أعظم منه عند الله تعالى لما فيه من عدم مبالاة صاحبه من سخط الله واستخفافه به واستقلاله به وبارتكاب المعاصي (75) .

وتطيل كتب إباضية المشرق التحليل في هذا الشأن ونكتفي بذكر شيء مما أورده خميس الرستاقي حيث يقول:" ومن الكبائر التي صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الإصرار على جميع المعاصي وكذلك في كتاب الله تعالى وإجماع أهل العدل وكمن الكتاب قوله تعالى:( ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) (49 الحجرات 11) وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" هلك المصرون"… والإجماع من أهل العدل في ما دانوا به انه لا يكون الغفران من الله تعالى على الإصرار على الذنوب قلت أو كثرت صغرت أو كبرت" (76) .

هذا شيء من النصوص قديمها وحديثها يثبت إنفاذ الوعيد في المصرين وهم في الحقيقة ليسوا من الذين لا تقبل توبتهم رغم توجههم للتوبة وإنما هم قوم أعرضوا عن التوبة إعراضا تاما عن وعي وإدراك، فهؤلاء لا يمكن بحال أن تهدي لهم التوبة رغم إعراضهم عنها، وقد اتضح أن الإباضية يستدلون لذلك بالنصوص قرآنية منها قوله تعالى أثناء عرض بعض صفات المتقين الذين يكرمهم الله بجنة النعيم: ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) (3 آل عمران135).

٥٤٩ / ٧٤٦