هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

1

الجزء ١ · صفحة ١٢

ويجوز مدحهما على ذلك . وقال بعض : المدح مرادف للحمد فلا يقال إلا على الاختيارى ، وإن قولك مدحت اللؤلؤة على حسنها لم تتكلم به العرب . ومدحت زيدا على رشاقة قده باطل غير صواب . فان صح عن العرب فانما يكون مدحا بسبب أنه يدل على فعل اختيارى ، كما يقال حسن الصورة يدل على حسن السيرة ، لا من حيث كونه رشيق القد . وهذا القول ظاهر قول علمائنا - رحمهم الله - لو صح مذهب المجبرة لبطل المدح والذم والثواب والعقاب . وعلى هذا فذكر الاختيارى البيان الماهية لا للاحتراز عن المدح ، لأنه مراد دخوله . وقيل : إن الاختيارى لا يشترط فى الحمد ولا فى المدح ، بدليل قوله تعالى : ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ وفى الحديث المأثور عنه A : « وابعثه المقام المحمود » وقول الشاعر :

أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب … وقول الآخر :

والصبر يحمد فى المواطن كلها … وقيل : الجود فى ذلك بمعنى الرضا ، فإنه يأتى فى اللغة كذلك ، وإن قلت : الحمد فى ذلك إنما هو على الوصف المجازى وصفا له بوصف صاحبه ، كالكتاب الكريم ، والأسلوب الحكيم ، قلت : ذلك صرف عن الظاهر ، بل لفظ الكريم يطلق لغة على كل حسن فى صنعه ، حتى الشجاعة ، تقول : زيد كريم فى الحرب والعلم ، تريد أنه شجاع . علامة على أن من يقول : يكون الجميل مأخوذا فى الحمد ، إنما ينزل بكونه مأخوذا فيه بحسب العقل . ولا فرف فى ذلك بين الحمد والمدح . وإن قلت : قد اعتبر فى الحمد فعل الجنان والجوارح فينا فى ما مر من اعتبار كونه باللسان ، وما تقرر من كون مورده اللسان ، قلت : ما تقدم من تناول الظاهر والباطن ، ومن أنه إذا تجرد الثناء على الجميل عن مطابقة الاعتقاد ، أو خالفه أفعال الجوارح لم يكن حمدا بل استهزاء أو تملحيا ، لا يستلزم دخول الجوارح والجنان فى التعريف ، لأنهما اعتبرا فيه شرطا ، وهو خارج عن الماهية لا شطراً وهو داخل فيها وأيضا لنا جواب آخر سلمنا أنه جزء الحمد لاعتباره جزءا من المعرفة ، فتعريفه يتوقف عليه وإن لم يكن جزءا من حقيقته ، وهذا كما فى تعريف العمى بأنه عدم البصر عما من شأنه البصر ، فقد وقع البصر جزءا من مفهوم العمى لاعتباره جزءا من معرفة ، إذ العمى ليس العدم مطلقا ، ولا بد من البصر فى تعريفه ، وإن لم يكن جزءا من حقيقة العمى وذاته ، وكما فى تعريف الضحاك بأنه ذات له الضحك . فان الضحك قد وقع جزءا من المفهوم ، مع أنه ليس جزءا من حقيقة الضاحك وذاته ، وهو الحيوان الناطق .

١٢ / ٧٬٦٨٠