هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

1

الجزء ٤ · صفحة ٤٤٨

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ الحمدُ للهِ الَّذى خَلَق السَّموات والأرضَ ﴾ إخبار بأن الله جل جلاله هو أهل الحمد ، فإذا كان إهلاله وجب حمده ، فهو مقيد للأمر من هذه الجهة ، وقيل : اللفظ إخبار ، والمعنى أمر ، أى احمدوا الله ، أو قالوا : « الحمد لله » ولو قال : احمدوا الله لم يفد الدوام والثبوت ، ولم يفد تعليل صفة الحمد ، وعلل الحمد بخلق السموات والأرض ، لأن فيهن منافع الدنيا والآخرة لنا ، ولكونهن منافع وعبراً ، وأعظم ما ترى من الأجسام خصَّهن بالذكر ، فهو حقيق بالحمد لخلقه هذه المنافع والأجسام العظام ، حمد أو لم يحمد ، فهو حجة على الذين كفروا وعدلوا بربهم ، وجمع السماء دون الأرض ، مع أن الأرض أيضاً أرضون ، لأن طبقات السموات مختلفات ، بعضها موج ، وبعضها فضة ، وهكذا . . . ومتفاوتات الآثار والحركات والأرضين كلهن تراب وحجر ، ساكنات لا تفاوت فيهن بحركة أو أثر .

وقدم السموات لشرفهن بالملائكة وبالعبادات الدائمة والخلو عن المعاصى ، وبالنيرات ، وعلوّ مكانهن وتقدم وجودها كذا قيل إنه تقدم وجودها ، وذلك تفضيل يظهر للحسن ، وأما باعتبار أن رسول الله صلى الله وسلم خلق من الأرض ، فهذه الأرض أفضل ، وذلك الحمد شكر أيضاً لتعلقه بالمنافع ، وإنما جعلت قوله : ﴿ الذى خلق ﴾ تعليلا وتعليقاً ، لأن الموصول وصلته كالوصف ، وتعليق الحكم بالوصف يؤذن بعليته .

وحكى الفخر عن سيبويه أنهُ لا يقال : الحمد بالتعريف إلا فى الله ، لأنه يدل على التعظيم ، وعن أنس قال : قال رسول الله A : « ما من شئ أحب إلى الله من الحمد » وقالوا : أبلغ الحمد الحمد لله على كل حال ، وما من نعمة عظمت إلا والحمد لله أعظم منها ، والمراد خلق السموات والأرض وما فيهما وغير ذلك ، قال A : « أذن لى أن أحدث عن ملك من حملة العرش ، رجلاه فى الأرض السفلى ، وقرناه على العرش ، ما بين شحمة أذنه وعاتقه خفقان الطير مسيرة مائة عام ، وهو يقول : سبحان الله ، وهو اسمه روقيل »

﴿ وجَعَل الظُّلمات والنُّور ﴾ : جعل بمعنى أنشأ ، ولذلك تعدى لواحد ، والفرق بين الجعل الذى بمعنى أنشأ الخلق ، وأن الخلق فيه معنى التقدير ، والجعل فيه معنى التضمين ، قال السعد فى حاشية الكشاف : معنى التضمين جعل شئ فى ضمن شئ ، بأن يحصل منه أو يصير إياه ، أو ينتقل منه إليه ، وذلك أن النور والظلمة لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية وهم مجوس ، وخلق الظلمة إلى هرمز وهو الشيطان ، وبنوا على ذلك أن الله خلق الخير ، والشيطان خلق الشر .

زعمت المنانية منهم أن النور والظلمة حيان فعالان درا كان حساسان ، وما زالا مفترقين حتى بغت الظلمة على النور فمازجته ، فعند ذلك تكونت الأشياء من امتزاجهما ، فكل ما حدث من نور وخير وعلم وبر ، فهو من الأصل النورى ، وكل ما يحدث من ظلمة وشر وجهل وفجور ، وكل شئ قبيح ، فهو من الأصل الظلمى ، ورد عليهما أن افتراقهما قبل الممازجة إن كان لطبيعة فلا يتمازجان بعد ، لأن الطبيعة تلزم ، وإن كان اختياراً فلعلهما قد امتزجا قبل هذا الافتراق الذى أثبتم ، ومن أين لكم أنهما لم يمتزجا قبل ، ويرد عليهما أيضا أنهما لم يزل بصفة كذا لا يزول عنها ، فإذا قلتم ، لم يزالا مفترقين فكيف يزول الافتراق؟ فإن ما لا أول لهُ لا يزول ، وأيضا إن لم يحدث عن ممازجتهما شئ فلعلهما لم يفترقا ، وإن حدث بها نور أو ظلمة لزم حدوث النور كله أو الظلمة كلها ، لأن الشاهد يدل على الغائب ، والقليل على الكثير ، والكثير على القليل ، وأنتم قلتم لم يزالا قديمين ، وإن حدث شئ غير نور ولا ظلمة بطل قولهم إذا ثبتوا ثالثاً ، وأيضا إن كان الامتزاج لتحركها إلى النور حتى مازجته فالتحرك أماله ابتداء فقبله سكون طبعى لها فلا تتحرك ، أو سكون غير طبعى كتحرك غير طبعى ، فلزم الاختيار وأقروا بالحادث وأما ما لتحريكها ابتداء فكيف تصل النور والمسافة بينهما لا تتناها؟

وأيضا من أين لهم امتزجا ثم افترقا ، ولا يمتزجان أبداً ، ولعلهما يمتزجان ويفترقان ألف مرة فأكثر ، وأى شاهد لهم على ذلك .

١٬٩٤٨ / ٧٬٦٨٠