1
الجزء ١ · صفحة ٢٣وإن قلت لو رجع الحمد إلى الله تعالى باعتبار المذكور لرجع لمصالح وحكم ومنافع لا يرعف تفصيلها إلا العليم الحكيم ، وهو وإن تضمن شرا بالنسبة إلى شخص فجهات خيريته أتم أكثر فهو خبر ، وإنما المذموم مباشرة المكلف له وإرادته ، قال A : « والشر ليس إليك » أى ليست شريته من جهة راجعة إليك بالله كالخلق والأقدار . وقيل المراد حصر الاستحقاق والسؤال بحاله والأشكال على منوال ، لأنه إذا رجع إلى العبد بوجه فقد استحقه بالجملة ولو كان ضعيفاً وأكثر المتأخرين الناظرين على أن الحصر مبالغة وادعاء . قال بعضهم : وبه صرح السعد فى حاشية الكشاف ، والمراد : أن الأفعال لما رجعت إليه وكذا المحامد ، أمكن ادعاء الحصر فيه ، ويحتمل أن يكون فسر اختصاص الجمد فى الكشاف بأنه لا أحق منه ، والمراد أنه أحق من غيره ، فالمراد حصراً حقيقة الحمد ، لكن القاضى لما قال ذلك أعقبه بقوله : بل لا يستحق الحمد فى الدنيا ، فقيل فى رفع المنافاة بين كلاميه أن المنفى الاستحقاق ، وبمعنى أنه لازم له لو ترك يكون ظلماً وتجاوزاً عما يجب ، فالعبد لا يستحق الحمد عند التحقيق ، كما أنه لا يستحق الثواب بطاعته ، وإنما ذلك من فضل الله الرحمن الرحيم ، فإذا أثبتنا للعبد حمداً أو ثواباً وقلنا باستحقاقه ، فعلى معنى تأهله لذلك بمقتضى وعد الله وكون الله - D لا يضع الشئ فى غير موضعه ، وليس استحقاقاً وابج الأداء شرعاً أو عقلا ، بل مناسبة واستحسان ، وزعمت المعتزلة أن الثواب لازم وكلا الاستحقاقين حقيقان ، فلا حاجة إلى قول القاضى بالحقيقة ، اللهم إلا إن أراد بها أن استحقاق العبد للحمد كعدمه ، لأن الله هو مولى الخير والجميل ، ويحتمل أن يكون قد حمل الاستحقاق فى الحقيقة على ما لم يكن للغير دخل فيه ، وهذا ليس إلا لله ، فإن كل حمد لغيره فلله الجهة اعليا منه وفيه بعد ، وتحصل من ذلك أنه يجوز أن يكون غير الله محموداً ، لكن الله تعالى هو الكامل فى المحمودية ، وقال الدوانى : القصر على الحقيقة فلا محمود حقيقة إلا الله ، والإشكال مندفع لأن الحمد مختص بالفعل الاختيارى ولا اختيار لغيره تعالى حقيقة ، وإنما العبد مضطر فى صورة مختار على ما صرح به السعد فى شرح المقاصد ، فيلزم اختصاص الحمد اللغوى ، إذ المحمود عليه يجب أن يكون بالاختيار ونسبة الفعل إلى العبد ولو كانت حقيقة ، لكن يعتبر فيه الكسب لا التأثير والاختيار الذى هو أنه لا يقع إلا ما أراد ، والمعتبر فى مفهوم الحمد الاختيار لا الكسب ، فلا يلزم إطلاق الحمد على ما يتعلق بالعبد ، والجميل فى قولهم على الجميل صفة للفعل ، كيف والمحمود عليه يجب أن يكون وصفاً للمحمود والقائم بالعبد كالاصلاة مخلوق لله - D - لا فعل له ولا مخلوق للعبد ، بل فعل للعبد وليس اختياره له يمعنى أنه لما أراده استحال ألا يقع ، لكنه لا يخفى أن الاختيار إما بمعنى أنه لا يصير إلا ما أراد المريد ، من حيث إنه إرادة وهو مختص بالله عز وعلا ، وإما بمعنى صدور الشئ بعد الإرادة وهو مستعمل فى العرف ومتبادر عند الإطلاق ، إذ قيل فعل فلان باختياره أو فلان مختار ، والمراد به نفى الخبر والاضطرار وليكن هذا هو المأخوذ فى تعريف الحمد وهو شائع فى اللغة ، وشارع فيها حمد غر الله سبحانه ، وليس الاختيار بذلك المعنى مجازاً بل حقيقة لغوية وإلا فلا أقل من أن يقال عرفية ، والتعريف للمتأخرين المستنبطين لا اللغويين ، فلا يقال كيف يتسعمل المجاز فى التعريف ، بل لو كان مجازاً لم يمتنع التعريف به لأنه مشهور أو لأنه حقيقة عرفية ، فليس الحمد معتبرا فيه الاختيار المختص بالله تعالى .