1
الجزء ١ · صفحة ٢٥وأما المعنى الثانى العرفى فلأنه الشائع الذائع بين أهل اللغة والعرف العام ، ويؤيده أن التعاريف اللغوية يكتفى فى قيودها بما هو الشائع لا ينظر إلى الدقيقات الحكمية ، وأنه قد شاع بين الجمهور حمد غيره تعالى ، والمتبادر الحقيقة لا المجاز ، وحينئذ لا يتم الاختصاص بمعنى الحصر الحقيقى . وأما ما قيل من الثانى فى قوة الخطأ ولا يحمل عليه إلا لضرورة ، فهو مبالغة لا تعويل عليه ، فإن قلنا بالاختصاص الحقيقى فالوجه فى دفع التناقض بين كلامى القاضى أن يقال الاستحقاق والحمد الحقيقيان ، وإن اختصا بالله تعالى لكن فى الدنيا قد يرى للعبد أفعال يستحق أن يحمد عليها مجازاً ظاهرا ، أو يراد حمده مجازا ، أو يراد حمد الله بسبب ما جرى على يده ، وبالجملة لما كان له فى الجملة دخل ما فى ظهور المحمود عليه ناسب أن يكون له دخل فى الحمد ، وأما فى الآخرة فيظهر أن لا دخل لغيره تعالى ، فلا يستحق ذلك القدر العبد ، و يقال لما اعتبر فى الحمد الاختيار وليس لغير الله تعالى اختيار حقيقة بل ظاهرا ، هذا كله إذا أريد زيادة المناسبة وشدة الخصوصية ، وهو الذى يقتضيه لام الاختصاص كما فى قولك الجل للفرس ، فلا إشكال فى المقام ، لأن الجنس للحمد وكذا لا إفراده خصوصية بالله تعالى لا يتكون لغيره ، إذا كل كمال أو جمال مضمحل فى جماله ويرجع إليه بوجوه عائدة ، وكل اختيار لغيره يعود إلى اضطرار وظاهره يرجع إليه ، وكل معظم هو مستحق لما فوقه وذلك يعود إليه ، وله تعالى محامد يستقل بها ، فللجنس والإفراد زيادة خصوصية ، وتعلق به تعالى ولله الحمد أولا وآخرا ظاهرا وباطنا .
﴿ رَبِّ العَالَمِينَ ﴾ : أى مالكهم أو سيدهم أو مصلحهم أو مربيهم أو خالقهم أو معبودهم أو مدبرهم أو جابرهم أو صاحبهم أو ثابتهم ، أى الثابت لهم وقريبهم ، أى القريب إليهم وجامعهم فى أنفسهم وآمرهم أو محيطهم كذلك ، أو كثير الخير لهم أو مولى النعم لهم . فهذه خمسة عشر معنى ، كلها تدل على معنى الحفظ والتربية ، وكلها صفات فعل ، إلا المالك والسيد والثابت فصفات ذات ، وليس لفظ رب مشتقاً من التربية لكنه بمعناه كما علمت ، فإن لامه باء موحدة ولامها ياء مثناة تحتية ، وهى تبلغ الشئ إلى كماله شيئاً فشيئا ، وإن قلت كيف يدل المالك وما ذكر على التربية والحفظ؟ قلت التزاماً لا مطابقة ولا تضمنا ، فإن من شأن من يملك الشئ أن يسعى فى حفظه ونمائه وكذا ما ذكر ، ولا يطلق رب على غير الله تعالى إلا مقيداً كقوله تعالى :