هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

1

الجزء ١ · صفحة ٢٩

ورب نعت للفظ الجلالة أو بدل ، وليس البدل أبداً هو المقصود بالحكم ، بل هذا غاب ، والآية من غير الغالب ، بل معنى كونه المقصود بالحكم عندى أنه يقصد تارة بوجه من الوجوه ، كقصده هنا ليناسب الحمد ، لأن دلالته لبادئ الرأى على الجميل أظهر من دلالة لفظ الجلالة ، ويقصد تارة بالحكم وحده بحيث لا يكون الأول إلا تمهيداً له ، وليست الآية من هذا ، ويجوز كونه عطف بيان للمدح ، وقرأه زيد بن على بالنصب على المدح ، كذا قال القاضى عطف بيان للمدح ، وقرأه زيد بن على بالنصب على المدح ، كذا قال القاضى وجار الله ، ومثلهما من المحققين ، والذى يظهر أن مرادهم أنه منصوب بأمدح محذوف أو بأعنى أو بأخص ، وأن وجه المدح على تقدير أعنى إثبات العناية والإعلام بها ولو محذوفة ، ولكن المعنى عظيما يعلم ما وصف به وأعلق باسمه ، ولو حذف ذلك الذى وصفاً أو علق به أو على النداء ، أى يا رب العالمين على طريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، أو فعل محذوف دل عليه الحمد ، أى أحمد رب العالمين .

وفى قوله ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ دليل على أن الأشياء محتاجة إلى إبقائه إياها بعد حدوثها ، كما احتاجت إلى إحداثها قبل وجودها ، فلولاه لم تبق بعد حدوثها ، كما أنه لولاه لم تكن ، ووجه الدلالة أن الرب بمعنى المربى ، أو غير ذلك من معانيه ، هو القائم بإبقاء الشئ وإصلاحه حال بقائه .

﴿ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ ﴾ : إنما كررها لتعليل استحقاق الحمد ، كما وصف برب العالمين لذلك . وكما وصف لذلك بقوله : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ كأنه قيل إن الله حقيق بالحمد لا أحد أحق به منه ، ولا يستحقه على الحقيقة سواه ، لكونه موجوداً للعالمين ، مبقياً لهم حال بقائهم ، منعماً عليهم بالنعم كلها ظاهرها وباطنها ، عاجلها وآجلها ، ملكا لأمورهم يوم الثواب والعقاب ، فإن ترتيب الوصف على الحكم يشعر بكون الوصف علة للحكم ، فالوصف بالربوبية والرحمة والملك بعد الحمد يشعر بأنها علة الحمد فيفهم ، ذلك أن م لا يتصف بتلك الصفات لا يكون أهلا للحمد ، فضلا عن أن يثبت له الحكم بالعبادة والاستعانة به المذكورين بعد ، فالوصف بالربوبية بعد ذكر الحمد لبيان ما أوجب الحمد وهو الإيجاد والتربية والإبقاء ، وبالرحمة للدلالة على أنه متفضل بالإيجاد والتربية والإبقاء ، مختار فى ذلك لا مضطر ولا موجب عليه ذلك بالذات ، ولا يعراض كأعمال الخلق ، بل فضل يستحق عليه الحمد .

٢٩ / ٧٬٦٨٠