هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

1

الجزء ١ · صفحة ٣٠

وعن سليمان : أن الله تبارك وتعالى خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة ، كل رحممة منها طبقاها السموات والأرض ، فأنزل منها رحمة واحدة فيها يتراحم الخلائق حتى ترحم البهيمة بيهمتها ، والوالدة ولدها ، فإذا كان يوم القيامة جاء بتلك التسعة والتسعين ، ونزع تلك الرحمة من قلوب الخلائق ، فأكملها مائة رحمة ، ثم يصبها على خلقه ، فالخائب من خاب من تلك المائة .

وعن الحسن : قال رسول الله A : « والذى نفسى بيده لا يدخل الجنة إلا رحيم » قالوا : يا رسول الله كلنا رحيم ، يرحم الرجل نفسه وولده ويرحم أهله . قال : « لا حتى يرحم الناس جميعاً » ، والوصف بملك يوم الدين لتحقيق الاختصاص ، فإنه لا يشاركه أحد بوجه ما من الوجوده فى كونه ملك يوم الدين ، ولتضمين الوعد للحامد والوعيد للكافر المعرض عن ، الحمد ، وقيل كرر الرحمن الرحيم لأنه لم يذكر فى البسملة من أنعم عليه ، وهنا قد ذكره وهو العالمون فى قوله : ﴿ رَبِّ العَالَمِينَ ﴾ ، وقوله : ﴿ الَّذِين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ وليس هذا منافياً لما ذكرته أولا من أنه كررها للتعليل استحقاق الحمد وخصهما بالتركير تنبها ، على غلبة رحمته غضبه ، وعلى أن العناية الرحمة أكثر منها بسائر الأمور ، فلذلك كررهما دون لفظ الجلالة ولفظ رب ولفظ ملك ، وذلك خمسة أسماء مذكورة فى السورة : الله والرب والرحمن والرحيم والملك ، كأنه قال خلقتك أولا فأنا إله ، ثم ربيتك بإسباغ نعمتى فأنا رب ، ثم عصيت فسترت فأنا رحمان ، ثم تبت فغرت فأنا رحيم ، ولا بد من إيصال الجزاء فأنا ملك يوم الدين ، أى ملك يوم الجزاء كقوله تعالى فى بعض كتبه : « يا ابن دم كما تدين تدان » وصيرته العرب مثلا وورد فى الحديث عنه صلى الله علهي وسلم فهو حديث قدسى .

وقول الشاعر :

واعلم وأيقن أن ملكك زائل … واعلم بأنك كما تدين تدان

وقول الشاعر :

ولم يبق سوى العدوا ، … ن دناهم كما دانوا

يقال دانهم الله بفعلهم ديناً بكسر الدال فتحها ، وإضافة ملك على ظاهرها يعنى أن يوم الجزاء وهو يوم البعث فى ملكه يحضره إذا شاء ، ويجوز أن تكون من إضافة الوصف إلى الظرف إجراء له مجرى المفعول به على الاتساع بعد حذف المفعول ، والأصل ملك الأمور يوم الدين ، وهو يوم لما يحضر نزل منزلة الحاضر أو الماضى ، كذا قيل . والظاهر عندى أنه لا حاجة إلى هذا التنزيل ، لأن ملك صفة مبالغة للاستقبال ، أو لأن المعنى ثبت له من الأزل أو من اليوم ، كما من الزل أنه ملك يوم الدين ، فإنه قد ملك ما سيخلقه كما يملك الإنسان ما غاب عنه تعالى الله ، وقيل إنه نزل يوم الدين لتحقق وقوعه منزلة الواقع فتستمر مالكيته فى جميع الأزمنة ، فتكون الإضافة حقيقة تسيغ نعت المعرفة بملك ، فان إضافة الوصف الاستمرارية حقيقة بالنسبة إلى ما مضى ولفظية بالنسبة إلى ما حضر وما استقبل ، ونعت المعرفة قرينة على اعتبار جانب المضى ، وقيل الدين الشريعة وقيل الطاعة ، ويقدر مضاف فيهما أى يوم جزاء الشريعة أو يوم جزاء الطاعة ، والمعنى الجزاء عليهما وقيل الدين القهر ، يقال دنته فدان أى قهرته فذل ، وقال ابن عباس : الدين الحساب ، وقرأ عاصم والكسائي ويعقوب مالك بالألف ، ويعضده قوله تعالى :

٣٠ / ٧٬٦٨٠