1
الجزء ١ · صفحة ٣٣. وغير ذلك ما يستخرج بتتبع القرآن والآخبار ، وقد ذكرت أكثر من ذلك حاشية شرح الأجرومية ، وسمعى يوم الدين ويوم الجزاء لأنه يجازى فيه بالجنة والنار وعذب الموقف ، فإن فى الموقف عذاباً على قدر المعاصى والغفلة ويأتى ولو على السعيد .
﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ : أى ما نعبد إلا إياك ، وما نستعين إلا إياك ، فالتقديم للحصر والاهمام والتعظيم ، وزاد إياك نستعين بأن التقديم فيه للمفاصلة أيضاً إذ لا تختم بالنون لو قال ونستعينك لكن يلزم أيضاً أن يقول فى إياك نعبد زيادة على ما مر وهو المناسبة لإياك نستعين المستحق للتقديم .
قال ابن عباس : نعبدك لا نعبد غيرك ، ونستعينك لا نستعين غيرك ، وليكون أول الكلام ما هو مقدم فى الوجود ، وهو الله سبحانه وتعالى وللتنبيه على أن العابد ينبغى أن يكون نظره إلى المعبود أولا وبالذات ، ومنه إلى العبادة ثانياً وبعرض ، وإنما ينظر إليها من حيث إنها نسبة شريفة إليه ، ووصلة بينه وبين الحق جل وعلا ، لا من حيث إنها عبادة صدرت عنه ، فإن العارف بالله سبحانه وتعالى إنما يحق وصوله إذا استغرق فى ملاحظة جناب القدس ، وغاب عما عداه حتى لا يلاحظ نفسه ولا حالا من أحوالها ، لا من حيث إنها ملاحظة لجناب القدس ، أعنى حق عظمة الله وتنزهه عما لا يليق من حيث إنها منتسبة إلى ذلك الجناب ، ولذلك كان قوله A كما حكاه مولانا جل وعلا : ﴿ لا تحزن إن الله معنا ﴾ أفضل مما حكى عن موسى عليه السلام : ﴿ إن معى ربى سيهدين ﴾ إذ قدم فى الأول ذكر الله على المعية ، وقدم المعية فى الثانى وشمل الأول الهداية وغيرها ، وظهر فيه حصول الهداية وغيرها فى الحال بظاهر العبارة ، والثانى ليس فيه إلا الهداية وطلب حصولها فى المستقبل كذا قيل ، ويبحث فيه بأنه شامل لغير الهداية ، وهى الحفظ ، وأما الطلب فليس المراد أنه أفادته السين ، بل أفادته عبارته بقرينة الحال ، وما ذكرت من أن التقديم للحصر ولما ذكر هو الحق كما اشتهر فى علم البيان ، وليس كما قال السبكى : إن التقديم لا يدل على الحصر ، وإنه إنما يدل على الاختصاص الذى تفيده لام الجر ، ثم لا مانع عندى أن يراد أوجه الحصر كلها فى الآية وحيث أمكن حصر القلب وحصر التعيين وحصر الإفراد ، وكأنه قيل نعبدك وحذك ونستعينك وحدك ، مخالفين لمن جهل من يعبده ومن يستعينه وتردد ، ولا نعبد غيرك ولا نستعينه ، كما اقتصر بعض المشركين على عبادة غيرك واستعانته ، وإيا : ضمير منفصل مشترك بين المذكر والمفرد والمخاطب ، وضد ذلك ، فهو بالنظر إلى ذلك كالأسماء الظاهرة المشتركة كالعين والقرء فيما يظهر لى ، واللواحق تميز المراد من إفراد وتثنية وجمع ، وتذكير وتأنيث ، وغيبة وخطاب وتكلم ، ومن حروف ، فالكاف المفتوحة تدل على أن المراد ما ليس مؤنثاً ، وأن المراد ما ليس غائباً ولا متكلما ، وهو ما يسمى فى الجملة مخاطباً ، ولو صرح بعض أصحابنا بأنه لا يقال : خاطبت الله والواضح عندى الجواز لأنه ظاهر اللغة ، ولا مانع لأن معنى : خاطبته ناجيته ، ولقوله تعالى :