هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

1

الجزء ١ · صفحة ٣٤

﴿ ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا ﴾ فإن مفهومه أنه يجوز لك يا نوح أن تخاطبنى فى غير الظالمين ، وإذا جاز هذا جاز أن يقال : خاطبته إلا أن يقال المعنى لا تكلمنى فى الذين ظلموا بما تسمونه فى كلامكم خطاباً ، والخطاب فى اللغة إلقاء الكلام إلى أحد ولو بصيغة لاغيبة ، فإذا قلت لك : قام زيد فقد خاطبتك ، وما يلحق الكاف يدل على التثنية والجمع ، فالكاف حرف يدل على معنى فى الضمير قبله ، وما يلحقها حرف يدل على معنى فى الحرف قبله وهو الكاف ، والهاء كالكاف ولواحقها كلواحق الكاف ، إلا أنها للغيبة ، وقال الخليل إيا : ضمير مضاف إضافة عام لخاص إلى ضمير بعده وهو الكاف أو الهاء إضافة تبينه لما حكاه عن العرب ، إذ بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب بإضافة إيا إلى الشواب ، ويرده أن هذا شاذ لا يعتمد عليه ، وأنه لم نر ضميرا مضافا ، وأنه لا إضافة عام لخاص لازمة ، وأن الإضافة توجب الإعراب ولا ضمير مفرد ، والمعنى إذا بلغ الستين فيلحذر التعرض للشابات وليحذرنه ، فيتميز المنفصل من المتصل ، وقيل الضمير هو المحموع ، وقيل إيا اسم ظاهر معرب بالتقدير على الألف مضاف لما بعده إضافة عام لخاص لازمة ، ويرده أنه لا إضافة عام لخاص لازمة وينسب هذا القول أيضاً للخليل .

وقرئ أياك بفتح الهمزة وهياك بقلبها هاء مكسورة ومفتوحة ، وقرئ بكسر الهمزة وتخفيف الياء ، وإذا تقرر أن الكاف للخطاب وقد صح أن الأسماء الظاهرة من قبيل الغيبة فتلك الأسماء هنا اسم ، اسم الله ورب والرحمن والرحيم وملك ، ظهر لك أن فى إياك نعبد التفات من الغيبة إلى الخطاب ، ويكون الالتفات عند السكاكى التعبير بواحد من ذلك ، مع أن مقتضى الظاهر التعبير بغيره ولم يتقدم غيره ، ومن الالتفات تعقيب الكلام بجملة مستقلة ملاقية له فى المعنى ، على طريق المثل أو الدعاء أو نحوها ، كما فى قوله تعالى : ﴿ وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ﴾ ، وقوله : ﴿ انصرفوا صرف الله قلوبهم ﴾ ، ونحو قصم الفقر ظهره ، والفقر من مقصمات الظهر ، وقول جرير :

حتى كان الخيام بذى طلوح … سقيت الغيث أيتها الخيامp>> أتنسى يوم تصقل عارضيها

بفرع بشامة سقى البشام … ومن الالتفات أن تذكر معنى فتتوهم أن السامع اختلجه شئ ، فتلفت إلى كلام تزيل به اختلاجه ، ثم ترجع إلى مقصود : ، كقول ابن ميادة :

٣٤ / ٧٬٦٨٠