هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

1

الجزء ١ · صفحة ٣٥

فلا صرمه يبدو وفى اليأس راحة … ولا وصلة يصفو لنا فنكارمه

كأنه لما قال فلا صرمه يبدو قيل له ما تصنع به؟ فأجاب بقوله وفى اليأس راحة ، ذكر السعد ذلك ، والواضح عندى إنما ذكر بعد التفات السكاكى يختص بالبديع ، وليس من التفات فن المعانى ولو ذكره بعد ، وفائدة الالتفات التفنن فى الكلام والنظرية له وتنشيط السامع وإيقاظه للإصغاء إليه ، وذلك موجود فى كل التفات ، وقد يختص مواقعه بلطائف أخر ، كما فى هذه السورة الكريمة : فاتحة الكتاب ، فإن العبد إذا ذكر الحقيق بالحمد عن قلب حاضر ، بحد من نفسه محركاً للقبال على ذلك الحقيق بالحمد سبحانه ، وكلما أجرى عليه صفة من تلك الصفات العظام قوى ذلك المحرك إلى أن يوول الآمر إلى خاتمتها ، وهيى قوله : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ المفيدة أن ذلك الحقيق بالحمد مالك للأمر كله فى يوم الجزاء أو لنفس اليوم ، فحينئذ يوجب ذلك المحرك لتناهيه فى القوة والإقبال على ذلك الحقيق بالحمد ، والخطاب بتخصيصه لغاية الخضوع والاستعانة فى المهمات . ذكر الخطيب القزوينى ذلك ، قال السعد فى شرحه المطول : والمعنى يوجب ذلك المحرك أن يخاطب العبد ذلك الحقيق بالحمد بما يدل على تخصيصه ، بأن العبادة وهى غاية الخضوع والتذلل له لا لغيره ، وبأن الاستعانة فى جميع المهمات منه لا من غيره وتعميم المهمات مستفاد من إطلاق الاستعانة ، والأحسن أن تراد الاستعانة على أداء العبادة ، ويكون ادنا بياناً للمعونة ليلتم الكلام ، وتكون العبادة له لذاته لا وسيلة إلى طلب الجوانح والاستعانة فى المهمات ، فاللطيفة المختص بها موقع هذا الالتفات ، وأن يه تنبيهاً على أن العبد إذا أخذ فى القراءة يجب أن تكون قراءته على وجه يجد ذلك المحرك من نفسه ، هذا الذى ذكره المصنف - يعنى القزوينى - جار على طريقة المفتاح ، وطريقة الكشاف هى أنه لما ذكر الحقيق بالحمد ، وأجرى عليه تلك الصفات تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن ، حقيق بالثناء والعبادة ، فالتفت وخوطب المعلوم المتميز ، فقيل إياك يا من هذه صفاته نعبد ، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له لأجل ذلك التمييز الذى لا تحقق العبادة إلا به ، لأن المخاطب أدخل فى التمييز وأعرق فيه ، فكان تعليق العبادة له تعليق بلفظ المتميز ليشعر بالعية ، ويمكن أن يقال إن ازدياد ذكر لوازم الشئ وخواصه يوجب ازدياد وضوحه وتميزه والعلم به ، فلما ذكر الله - جل وعلا - توجه النفس إلى الذات الحقيق بالحمد ، وكلما أجرى عليه صفة من تلك الصفات العظام ازداد ذلك ، وقد وصف أولا بأنه المدبر للعالم وأهله ، وثانياً بأنه المنعم بأنواع النعم الدنيوية والأخروية ، لنتظم لهم أمر المعاش ، ويستعد والأمر المعاد ، وثالثاً بأنه المالك لعالم الغيب وإليه معاد العباد ، فانصرفت النفس بالكلية إليه لتناهى وضوحه وتميزه بسبب هذه الصفات ، فخوطب تنبيهاً على أن من هذه صفاته يجب أن يكون معلوم التحقق عند العبد متميزاً عن سائر الذوات حاضر فى قلبه ، بحيث يراه ويشاهده حال العبادة ، وفيه تعظيم لأمر العبادة ، وأنها ينبغى أن تكون عن قلب حاضر كأنه يشاهد ربه ويراه ولا يلتفت إلى ما سواه .

٣٥ / ٧٬٦٨٠