هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

1

الجزء ١ · صفحة ٣٦

وذكر القاضى أن الله - جل وعلا - بنى أول الكلام على ما هو مبادئ حال العارف من الذكر بالبسملة والحمدلة ، ومن الفكر بقوله : ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ومن التأمل فى أسمائه والنظر فى نعمه بقوله : ﴿ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ ﴾ والاستدلال بصنائعه المشار إليه بقوله : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ على عظم شأنه وباهر سلطانه ، ثم اتبع ذلك بما هو منتهى أمره وهو أن تخوض لحة الوصول إلى حقيقة معرفته انتهى بالمعنى .

قال والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل ، ومنه طريق معبد أى مذلل ، وثوب ذو عبدة ( بفتح العين والباء ) إذا كان فيه غاية الصفاقة ، ولذلك لا تستعمل إلا فى الخضوع لله تعالى ، والاستعانة طلب المعونة ، وهى إما ضرورية أو غيرها ، والضرورة ما لا يتأتى الفعل دونه كاقتدار الفاعل وتصوره وحصول آلة أو مادة يفعل بها فيها ، وعند استجماعها يوصف الرجل بالاستطاعة ويصح أن يكلف بالفعل وغير الضرورة تحصل ما تيسر به الفعل ، ويسهل كالراحلة فى السفر للقادر على المشى أو يقرب الفاعل إلى الفعل ويحثه عليه ، وهذا القسم لا تتوقف عليه صحة التكليف ، يعنى الصحة العقلية ، وإلا فالصحة الشرعية قد تتوقف على تلك القدرة ، فأكثر الواجبات المالية ، وقوله : ومادة يفعل بها فيها . . إلخ ، ليس بضرورى فى مطلق الفعل ، وإنما هو فى فعل يكون فى مادة والضمير بها للآلة وفى فيها للمادة والعبادة قسمان : عبادة تسخير كما فى قوله تعالى : ﴿ تسبح له السموات السبع والأرض ﴾ ، وعبادة بالاختيار كقوله تعالى : ﴿ ومن فيهن ﴾ باعتبار ما شملته مَنْ مِن العقلاء ، فهذه الآية شاملة للقسمين فما تقدم هو للقسم الأول ، وقوله : ﴿ ومن فيهن ﴾ لهما ، وذلك لأن من هذه مستعملة فى العاقل وغيره ، وإن قلنا إنها اسعملت هنا فى العاقل فقط فالآية أيضاً شاملة لهما ، وكما فى قوله : ﴿ اعبدوا ربكم ﴾ ، وقوله ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ وقيل العبادة الفعل الذى يؤدى به الفرض لتعظيم الله تعالى ، وتختص بالله سبحانه على التفسير الأول والثانى ، لأنه مولى أعظم النعم ، وهى إيجاد العبد من العدم إلى الوجود ، ثم هدايته إلى دينه أعنى دلالته عليه ، سواء أقبل أم أعرض ، وأخر الاسعتانة مع أنها مقدمة على الفعل للفاصلة ، ولأنها ولو كانت مقدمة لكنها مستصحبة أيضاً ، فهى أيضاً مع الفعل كالتوفيق والاستطاعة ، ولأنها من العبادة فذكرها تخصيص بعد تعميم تعظيما لها ، ولأن العبد يشرع فى العبادة ويستعين بالله تعالى على إتمامها ، ولأنه إذا نسب العبادة إلى نفسه بقوله : ﴿ إِيَاكَ نَعْبُدُ ﴾ أوهم تبجحاً واعتداداً بما يصدر منه ، فيؤديه إلى الفخر ، أو يورثه ذلك رياء أو عجباً ، لأنها منزلة عظيمة ، فأزال ذلك بقوله : ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لأن الاستعانة تدل على العجز وعدم الاستقلال ، وتصرح بأن العبادة مما لا تتم إلا بعونه تعالى ، ولأن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة ، وليعلم من الآية ذلك بإشارة ، وذلك كله على أن الواو عاطفة ، وأما على أنها للحال فلا إِكال ، لأن المعنى : نعبدك مستعينين بك ، وهذا على قول بعضهم بجواز أن تقرن الجملة الحالة المضارعية المجرد من النفى ، وقد والسين وسوف بواو الحال ، وعلى المنع فليقدر المبتدأ ، أى ونحن نستعينك ، أو قد التحقيقية ، وقد نستعينك ، وإن قلت كيف نقدر قد مفصوله عن الفعل بإياك مع أنه قيل فصلها بغير القسم؟ قلت : تقدر بعد إياك بناء على جواز تقديم معمول مدخولها عليها ، بل لو منع هذا لم يضر هنا لأنها محذوفة فإنما تنوى على تأخير المفعول متصلاً كأنه قيل : وقد نستعينك والضمير والمستتر فى تعبد ، ونستعين للمتكلم ومن معه من الحفظ ، وحاضرى صلاة الجمعة او القراءة أو للمتكلم :

سائر الموحدين أدرج عبادته فى عبادتهم ، واستعانته باستعانتهم ، لعله يقبل عنه ذلك ببركتهم ، ويجاب إليها ، ولهذا شرعت الجماعة فى الصلاة ، وكر

إياك للتنصيص على أنه المستعان لا غيره ، وقرأ ابن حبيش : بكسر نون نعبد ونستعين ، وهى لغة تميم يكسرون حرف المضارعة فى الثلاثى والخماسى والسداسى المبنيات للفاعل غير الياء على ما ذكرته فى شرح اللامية .

٣٦ / ٧٬٦٨٠