هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

1

الجزء ١ · صفحة ٣٨

﴿ فاهدوهم إلى صراط الجحيم ﴾ فعلى إلهكم ، وأنواع الهداية لا تنحصر بعد لكنها تنحصر فى أجناس :

الأول : إفضاة القوى التى يتمكن بها المرء من الاهتداء إلى مصالحه كالقوة العقلية ، قيل والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة ، أعنى أن يفيض الله القوات على الإنسان حتى يتمكن بها من الهتداء إلى مصالحة كالقوة التى تكون فى القلب يعقل بها ، وكالحواس الباطنة ، على أن فى الباطن خمس حواس ، كما أن فى الظاهر خمساً كذا قيل ، وليس كذلك ، بل الحواس الظاهرة هى باطنه من حيث إدراكها الأشياء .

الثانى : نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل ، والصلاح والفساد كقوله تعالى : ﴿ وهديناه النجدين ﴾ أى طريق الخير والشر ، وقوله جل وعلا : ﴿ وأما ثمود فهديناهم ﴾ ، ولذلك جاز بعده ، ﴿ فاستحبوا العمى على الهدى ﴾ فإن المكلف قد يعمل بالدليل فيصل وقد يعرض فيعمى .

الثالث : الهداية لإرسال الرسل وإنزال الكتب وإياها عنى بقوله : ﴿ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ﴾ وقوله : ﴿ إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم ﴾ الرابع : أن يكشف عن قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء ، كما هى بالوحى أو الإلهام والمنامات الصادقة ، وهذا يختص به الأنبياء والأولياء ، وإياه عنى بقوله : ﴿ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ﴾ وقوله : ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ﴾ إذا قال العارف : اهدنا لاصراط المستقيم ، عنى به طلب الإرشاد لطريق السير فى الله ليمحو عنه ظلمات الأحوال الواردة عليه فتزداد معرفته ، فيكون بمنزلة من يرى الشئ عياناً ، واهدنا دعاء وهو والمر والالتماس مشتركات لفظاً ومعنى ، فلفظ قولك : قم إذا كان أمراً وإذا كان دعاء أو التماساً واحد ، وكذا معناه وهو الطلب الجازم الفعلى لا التركى ، ويتفاوتان بالاستعلاء والستفل والالتماس ، فإنه إذا كان من الأعلى أمراً ومن الأسفل دعاء أو من المساوى التماس ، سواء كان ذلك العلو والتسفل والمساواة حقيقة أو ادعاء ، وقيل تتفاوت بالرتبة الحقيقية ، فإذا كان ممن هو فى الحقيقة أعلى فأمر ، ولو كان متسفلا أو مساوياً دعاء ، وإذا كان من متسفل حقيقة فدعاء ، ولو كان عليا أو مساوياً دعاء ، وإذا كان متساو حقيقة فالتماس ، ولو كان عليا أو متسفلا دعاء ، والصحيح أنه أمر ، مطلقاً سواء كان من عل أو متسفل أو مساء ، تخفيفاً أو ادعاء ، وأنه يجوز تسميته مطلقاً كذلك دعاء والتماسا . والصراط مفعول به تعدى إليه - اهد - كما تعدى - اختار - فى قوله تعالى : ﴿ واختار موسى قومه ﴾ وإلا فالأصل أن يتعدى باللام أو إلى ، كما أن أصل اختار أن يتعدى إلى القوم فى الآية بمن على أحد أوجه فى الآية ، وقال السعد : قد يفرق بأن -هدى - المتعدى بنفسه بمعنى الإيصال ، ولهذا يسند إلى الله تعالى الثابت فى الإمام ، وهو الطريق يذكر ويؤنث ، وجمعه صرط - بضم الصاد والراء - وأصله السراط بالسين من سرط الطعام إذا ابتلعه ، كأنه يبلع من يمر به أو يبلعه من يمر به ، كما سمى لقما - بفتح اللام والقاف - لأنه كأنه يلتقمهم أو يلتقم المار ، وإنما قلبت السين صاداً لتطابق الطاء فى الإطباق والاستعلاء ، وقد يشم الصاد صوت الزاى ليكون أقرب إلى المبدل عنه ، وقرأ ابن كثير قيل ويعقوب بالسين ، وحمزة بإشمام الصاد السين ، ذكر أبو عمرو الدانى أن خلفا يقرأ الصراط وصراط باشمام الصاد الزاى حيث وقعا ، وخلاد بإشمامها الزاى فى قوله : ﴿ الصِراطَّ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ هنا خاصة ، وقيل بالسين حيث وقعا ، وقرأ بالزاى حيث وقعا ، وقرأ الحسن اهدنا صراطا مستقيما ، وقيل الطريق هو ما يطرقه مطلقاً ، ولو لم يكن طريقاً قبل ، ولاسبيل ما يطرقه وهو معتاد لاسلوك ، والصراط كالسبيل إلا أنه مستقيم غالباً ، فهو أخص الثلاة ، والسبيل أخص من الطريق ، وعلى كل حال فالمراد طريق الحق ، وقيل ملة الإسلام وهو قول ابن عباس وجابر بن عبد الله ، وقيل القرآن هو قول على روى عنه - A - الصراط المستقيم : القرآن ، ومعنى هدايته تسيهله للحفظ والعمل به ، وقيل ما هو عليه جماعة الصحابة من السنة والوحى ، وقيل طريق المستحقين للجنة .

٣٨ / ٧٬٦٨٠