هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

1

الجزء ١ · صفحة ٤٠

فقثيل له فهل يتألى لأحد إدراكه؟ فقال له العجز عن إدراكه إدراك ، والخوض فى ذات الله سبحانه إشراك .

﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ : صراط بدل من الصراط بدل مطابق ، ولا يخلو البدل من تأكيد ، لأن المبدل منه كالتمهيد للبدل ، ولأن البدل على نية تكرار العامل ، على المشهور ، والتمهيد للشئ ، زيادة اعناء به ، والتكرير توكيد ، والبدل هو المقصود بالنسبة ، وفائدته هنا : توكيد كون المطلوب بالهداية زيادة إليه : هو صراط الذين أنعم الله عليهم ، والتنصيص بأن الصراط المستقيم هو صراط المسلمين ، الذين أنعم الله الرحمن الرحيم عليهم مطلقاً ، وبه قال ابن عباس والجمهور ، وانتزعوا ذلك من قوله تعالى : ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم ﴾ إلى قوله : ﴿ رفيقاً ﴾ ، روى ابن جرير عن ابن عباس أن المراد بالذين أنعمت عليهم : لأنبياء والملائكة والصديقون والشهداء ، ومن أطاعه وعبده ، وعن ابن عباس أيضاً : هم قوم موسى وعيسى الذين سبقوا لم يبدلوا ولم يغيروا ، وقيل هم أصحاب محمد - A - وأهل بيته ، وهو قول غير صحيح أو غير جائز ، لأنه يؤدى إلى أن الخطاب موجه إلى من عداهم فقط من أهل زمانهم ومن بعدهم ، وقرئ صراط لذين بلام واحد مخففة بلا همزة قبلها ، وهو لغة فى الذين ، وقرأ ابن مسعود صراط من أنعمت عليهم ، والإنعام إيصال النعمة ، وهى فى الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان ، فأطلقت على الذين لأنه أحق بالاستلذاذ ، ولأن الموفق يستلذه ، وقد يستلذه الإنسان مطلقاً ، والمعنى : صراط من رضيت عنه وغفرت ذنوبه وقبلت أعماله وأنزلته فى أعلى عليين مع الملائكة المقربين أبد الآبدين ، وتزكية النفس عن الرذائل وتحليتها بالأخلاق السنية ، وهذه النعم المختصة بالمؤمن ويشاركه الكافر فيما عداها ، وهى إن كانت لا تحصى لكن تنحصر فى جنسين دنيوية واخروية ، والدنيوية كسبية وغير كسبية ، وغير الكسبية إما روحانية كالروح والعقل والفهم والفكر والنطق ، وإما جسمانية كالبدن والقوى الحالة فيه ، والهيئات العارضة له كالصحة وكمال الأعضاء . الكسبية تزكية النفس وتحليتها المذكورتان . وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحلى المستحسنة والمال والجاه ، ويجوز أن يراد فى الآية جميع النعم المذكورة لاستثناء المغضوب عليهم والضالين بعد ، كما يأتى .

﴿ غَيْرَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ : أخرج أحمد والترمذى وحسنه وابن حيان فى صحيحه عن عدى بن حاتم عنه - A - أن المغضوب عليهم هم اليهود ، وأن الضالين هم النصارى ، وأخرج ابن مردويه عن أبى ذر : سألت النبى - A - عن المغضوب عليهم قال : « اليهود » ، وعن الضالين قال : « النصارى » وكذلك فسر ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والسدى وابن زيد والحسن ، وذلك واضح من كتاب الله ، لأن ذكر غضب الله على اليهود متكرر فى كتاب الله كقوله عز وعلا :

٤٠ / ٧٬٦٨٠