1
الجزء ١ · صفحة ٥فان قلت : كثيراً ما يحمد على العلم والكرم والأخلاق العلية النفسانية . قلت : المدح يجوز على صفات الذات كالعلم وصفات الفعل كالعطاء . والحمد لا يجوز إلا على صفات لافعل كالخلق والرزق ، ولكن ظاهر تحقيقات المتأخرين : أن المراد الفعل عرفا ، والعرف يعد ذلك أفعالا ، تقول : علمت وحملت ، كما يقال : أكرمت وأعطيت ، وهو كلام النحاة . وقد صرح السيد الشريف وغيره ، بكون الكيفيات النفسانية تعد أفعالا ، فالحمد حقيقة على الإنعام لا النعمة ، إذا النعمة ليست فعلا حقيقة ولا فعلا بالعرف . ولذا قال التفتازانى : النعمة بمعنى الإنعام ، ولكن قوله فى المطول : الحمد على الإنعام أمكن من الحمد على النعمة ، يدل على جواز الحمد على النعمة ، وهى غير فعل لا تحقيقا ولا عرفا . فلعله أراد جواز الحمد عليها من حيث تعلقها بالمحمود بالصدور عنه لا لذاتها . فيرجع ذلك إلى الحمد على الإنعام والحمد على الإنعام لذاته فكان أمكن . فلا شبهة لعاقل فى أن المحمود عليه يجب أن يكون أمرا فى المحمود ، فإن الأمر الأجنبى عن شخص لا يكون سببا لثناء ذلك الشخص وتعظيمه ، وإلا كان ممكنا أن يحمد زيد على ما لم يتعلق به من فعل بكر وغيره . وقولى : على جهة التعظيم ، معناه على جهة التعظيم ظاهرا وباطنا ، فيندفع ما قد يقال : الكون على جهة التعظيم لا يقتضى حتما أن يكون التعظيم موجودا ، لأن الأعم لا يستلزم الصدق بأخص المعين . وتعلم من إطلاقى أنه لا يزلم أن يكون الحمد فى مقابلة إحاسن إلى الحامد ، وخرج بذكر التعظيم الثناء على الجميل استهزاء أو تقريعا على زعم الموصوف ، نحو : ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴾ ، وتملحيا أن إتيانا بالشئ المليح للإضحاك أو غيره ، أو إخبار بالواقع . هكذا يقال فى مثل ذلك التعريف ، وقد يقال : لا حاجة فى خروج الاستهزاء والتقريع إلى ذكر التعظيم ، لخروجه بقولهم على الجميل ، لأن المحمود عليه . فإن المعنى أن الجميل الاختيارى باعث على الثناء وسبب فيه . ولا يكون الجميل الاختيارى باعثا على الثناء وسببا فيه ، إلا على جهة التعظيم . ولا يتصور ثناء متسبب من جميل اختيارى حقيقة على وجه الاستهزاء أو التقريع ، إلا أن يقال : قولهم على الجميل يشمل ما كان لأجله ، بحسب ما يدل عليه اللفظ أو السياق ، وإن لم يكن بحسب الحقيقية . وقد يقال : يتصور ذلك كما فى إعطاء شئ حقير وإن قلت المستزئ لم يرد الوصف بالجميل بل بنقيضه ، قلت : إن إريد الجميل حينئذ مستعمل فى غير ما وضع له تجوزا . فهو ممنوع ، فإن القائل بمنزلة من يعلم كذب كلامه ، وإلا فقد وجب قيد آخر على أنه لا يجرى فى التقريع . والإيضاح مقصود فى التعريف والتعظيم قسمان : ظاهر وباطن ، فالظاهر يشعر به اللفظ على أن يكون فى قوله أو قعله مد يدل على التحقير والهزء ، والباطن مطابقة الاعتقاد ، فإن كان ما يدل على ذلك أو لم يطابق الاعتقاد اللفظ لم يكن حمدا ، وكذا إذا قصد مجرد الإخبار ، وقد يبحث فيه بأنه لا يعد فى أن يكون الدلالة على التعظيم كافية فإن الوصف الحسن إذا لم يقترن بالمخالف يعد حسنا عرفا ، ولا يعد الواصف مستهزئاً غير أنه قد صرح الثقات : كأبى سليمان داود C باشتراط التعظيم ، وإن قلت اشتراط كون المحمود عليه جميلا دال على اشتراط قصد التعظيم إذا الجميل لا يكون سببا لغيره .