1
الجزء ١ · صفحة ٧وإذا اقترن بما ينا التعظيم فحينئذ جاز عقلا أن يعد كل من الوصف والفعل بما يقتضيه . فيعد الوصف حمداً وتعظيماً والفعل تحقيرا وهزءا ، لأنهم لم يعتبروا ذلك الوصف وعدوه أيضا هزءا ، لأن اللفظ قد يكون للهزء والتحقير ، فهو ذا محلين فحيث وجدت قرينة صارفة للفعل على المحل الآخر جمعاً بين مدلولى القول والفعل ، ولم يعكس لأن الفعل المذكور لا يحتلم التعظيم ، وكونه لمصحلة غير التحقير بعيد عن الفهم ، فكذا لا يتبادر إلى الفهم إلا التحقير ، وإذا لم يتبادر منه إلا ذلك فكأنه نص فى التحقير ، فحمد المحتمل على ما هو كالمقطوع به ، على أنه يكفى فى ترجيح مدلول الفعل على القول أن هذا الفعل لا يكون للتعظيم قطعا ويتبادر منه التحقير ، وهذا اللفظ كثيرا ما يكون للهزء لا للتعظيم ، ولم يحمل كل منهما على مدلوله ، لأن التعظيم والتحقير من شخص واحد فى آن واحد لا يجتمعان ، ولو اجتمعا فى التعظيم فى غاية الضعف ، فلم يعتبرا ولأن الهزء والتحقير فى القبح والذم إثم ، وأشد من الحمد والتعظيم فى الحسن والقبول والكمال ، ولذا ترى أان أدنى ما يوهم الهزء يترتب عليه الذم والنكال . وقد لا يترتب على الحمد والذم الصريحين ما يناسبهما . ولما كان كذلك أسقطت الدلالة على الهزء وذلك الحسن الضعيف الذى فى مجرد الوصف عن درجة الاعتبار . والحاصل أن قولهم : إذا اقترن أوصف بالجميل لمخالفة الجوارح صار استهزاء معناه : أنه صار ذلك عندهم وفى اعتبارهم ، فإن العرب وأهل اللغة يعدون ذلك الوصف مستهزءا محقرا ، إلا حامدا معظماً تغليبا لجانب الهزء ولما مر فلا بد من قصد التعظيم .
قال السيد : وإنما اشترط كون الوصف على جهة التعظيم ظاهرا وباطنا ، لأنه عرى عن مطابقة الاعتقاد أو خالفه أفعاله الجوارح لم يكن حمداً حقيقة بل استهزاء وسخرية ، والظاهر أن المراد بالمطابقة أن يعتقد الواصف اتصاف المحمود بالمحمودية ، فيطابق اعتقاد ما يفهم من الوصف من اتصافه به ، سواء كان إنشاء أو خبرا أو نعتا نحويا ، ويؤيد ذلك قول بعض المتقدمين : لو لم يطابق لكان كذبا واستهزاء على ما قررناه ولا يرد أن مطابقة الاعتقاد والكذب لا يصح ولا يحتمل إذا لم يكن الوصف على وجه الإخبار وذلك لما مر من أنه يفهم منه على التقادير أن المحمود متف بالجميل المذكور ، ويتجه على ما مر عن السيد وغيره أمران :
الأول : أن السلاطين وغيرهم كثيرا ما يحمدون ويوصفون بأوصاف بعلم قطعا عدم اتصافهم بها فى الواقع ، بل فى زعم الواصف ، وقد أراد بها تعظيمهم ، وهم يقبلون ذلك ويجزونهم جميلا ، ولا توهموا فيها أدنى شائبة هزء لعاقبوه أشد العاقب ، فلا يكون استهزاء ولا معدودا منه عرفا . فما مر عن السيد من أنه لو لم يطابق فهو استهزاء يقدح فيه سواء أراد الهزء حقيقة أو عرفا بل اشتراط تلك المطابقة فى حيز المنع كما سيجئ تفصيله ، وإنه يستلزم خروج تلك الأوصاف مع قصد التعظيم : وأجيب بجوابين الأول أن الواصف يعتقد اتصاف المحمود بما ذكر ويرده أن مما يوصف به المحمود ما يعلم كل عاقل أن اتصاف المحمود به ممتنع أو غير واقع فكيف يعتقده فحول الشعراء والأذكياء وذلك كما يقال زيد فرسه من الفلك وهو أظهر من الشمس .