هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

1

الجزء ١ · صفحة ٨

الثانى : أن الواصف يريد معانى مجازية واعتقد اتصاف الموصوف بها ورد الدوانى الجوابين بأن الأول خلاف البديهة والثانى خلاف الواقع ، واعترض بمصدر الأفاضل بأن الأول لو كان خلاف البديهة لم تقصد العقلاء إفادته فلم يكن اللفظ فى معناه الحقيقى مستعملا . والثانى لو كان خلاف الواقع لم يكن اللفظ مستعملا فى معناه المجازى فيلزم ألا يكون اللفظ حقيقة ولا مجازا ، ثم إنه يبحث بأن حاصل الرد الأول إنما ذكره من اعتقد الاتصاف بديهى البطلان ، إذ يعلم كل عاقل أن عاقلا لا يعتقد اتصاف أحد بما تذكر الواصفون المبالغون ، بل هم معترفون به عند السؤال فمقتضى الجواب فاسد قطعاً ، فحينئذ لا يتجه ما ذكر إذ لا يلزم من عدم الاعتقاد عدم الإفادة ، كما أن المتكلم قد يعتقد أن الخبر كاذب ، وهو يعيده ويذكره ، وكأنه حمل التضعيف على أن مضمون الوصف خلاف البديهة ، فلا يحمل حال العقلاء على اعتقاده فأورد عليه ما ذكره ، ثم إنه لو سلم أن المراد ذلك فالملازمة التى ذكرها بقوله : لو كان خلاف البديهة لم يقصد العقلاء إفادته ممنوعة بل فاسدة ، ألا ترى أن المخيلات الشعرية مع أن أحسنها أكذبها مستحسنة مقصودة بالإفادة عند البلغاء؟ ومضمونها الحقيقى ربما يكون خلاف البديهة؟ فمن الجائز أن يكتفوا بالقصائد والأثنية يمثل ذلك أى الوصف الحسن على سبيل التخييل أو ادعاء المبالغة ، وتحقيق ذلك المقام أن اللفظ قد يقصد به إفادة الحكم أى الوقوع أو لا وقوع اعتقادا . وقد يقصد به تخييل المعنى وتصويره . ومنه المجاز العقلى ، وبعض الاستعارات عند الجمهور ، فلا يكون كذبا لأنه إنما يريد به التصوير لا الحكم ، ومنه الأخبار الواقعة فى الأشعار ، لما علم عرفا انه لم يقصد بها إيقاع السامع فى الغلط . وإفادة التصديق بأن الأمر كما ذكره فى نفس الأمر ، بل أريد بها تخييل ذلك وترتيبه على الوجه المقرر بينهم . فهى ليست بكذب مذموم فى العرف ، بل مستحسنة مقبولة ، لما اعتبر فيها من جهة حسن النظم والتخييل واللفظ مستعمل فى الموضوع له لتخييله . وإذا كان ذلك جائزا بل واقعاً على ما صرحوا به فى المجاز العقلى ، فليجز أن يكون المقصود بأوصاف السلاطين . والمحبوب فى القصائد ويغرها كما فى سائر الأشعار ، إفادة المعانى الوضعية منها لأجل التخييل والتعظيم ، وإن كان تحققها فى نفس الأمر بديهى البطلان ، وجرى العرف على ذلك واستحسنها وقد علم أنها أريد بذلك التعظيم والوصف الحسن صارت مطبوعة مقبولة ، وجوزيت بالجميل ، وقوبلت بالجزيل ، فظهر أنه لا يلزم من بداهة عدم تحقق الحكم أو الوصف ألا يقصدها العقلاء أصلا .

٨ / ٧٬٦٨٠