هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

1

الجزء ١ · صفحة ٩

وإن أراد أنه لا يقصد حينئذ إفادتها على وجه الحكم والتصديق فمسلم . ولكن لا يلزم منه ألا يكون اللفظ مستعملا فى معناه الحقيقى ، وإن قلت الكلام موضوع لإفادة الحكم فلو لم يرد به ذلك لم يكن مستعملا فى المعنى الحقيقى . قلت : إفادة الحكم أعم من أن تكون لأجل التخييل أو الاعتقاد والإيقاع والانتزاع ، على أنه لا يجرى في الإنشاء والأوصاف ، وإن علم ، فمن الجائز أن يكتفى فى الحامد فى السلاطين بادعاء الأمر والمبالغة فيكون حقيقة ، وإن كان المعنى بديهى البطلان . وأما الجواب عن احتمال كونها مجازات ، فتوضيحه أنه خلاف الواقع والمعلوم بالتتبع ، فإنا لو تصفحنا عن القائلين ، علمنا أنهم لم يقصدوا معنى مجازيا صحيحا بحسب ما اعترفوا به ، ولأنهم ربنا يذكرون أمورا لم يقدروا على أن يحصلوا لها معانى صحيحة يفهمونها بعد التأمل والتدبر ، فضلا عن أن يقصد من اللفظ ذلك بادئ الرأيى عند التكلم ، وإذا كان الجواب خلاف الواقع والتحقيق ، فلا ينبغى أن يعتمد عليه ، وإن كان محتملا عند العقل على أنه يبقى الكلام حينئذ فيما إذا لم يقصد به معنى مجازى صحيح . بل أرادوا الادعاء والتخييل ، فيلزم خروجه عن الحمد ، وأن يكون استهزاء وفيه ما يه ، ثم مدائح السلاطين إن وردت على وجه النقص والاعتراض ، فيمكن أن يدفع بأنا لا نسلم أنها جمل ، وإن كانت أثنية مقبولة كالوصف على غير الاختيارى . ولعل معنى قول السيد وغيره : لو لم يطابق الاعتقاد كان استهزاء أنه لما شابه الاستهزاء فى عدم الاعتقاد وقصد إفادته أخرج عن الحمد كالاستهزاء فى كثير من المواضع أو الأكثر لم يتعبروا فى الحمد إلا الوجه الكامل . وإن وردت سندا لمنع الاشتراط أو لأجل تحقيق المقام ، وأنه لا دليل على خروجها من الحمد ، مع أنها من مستحسن مقبول ، متضمن للتعظيم فى العرف الخاص والعام ، غير معدود من الاستهزاء عرفا وعقلا ، فهو كلام قوى مقبول ، إن لم يضعفه نقل صريح صحيح .

الأمر الثانى : أنه اعتقد الواصف اتصاف المحمود ، ولكن لم يقصد بالكلام تعظيمه ، بل محض الإخبار أو الحكاية أو نحوها فليس بحمد . وإن سلم ذلك فلا شك فى أنه مع ذلك الاعتقاد يجوز أن يقصد بالكلام الهزء ، عنادا ومكابرة ، كما كان لبعض الكفرة الفجرة ، وذلك الكلام ليس بحمد قطعاً ، فلا يكفى فى الحمد والتعظيم الباطنى المعتبر فيه مجرد ما ذكر من مطابقة الاعتقاد ، بل لا بد من اعتبار أمر آخر هو قصد التعظيم .

٩ / ٧٬٦٨٠