فصل [نماذج من الأفراد غير المسمين]
الجزء ١ · صفحة ٢٢٦<226> وأصنافها فيطول الكِتَاب، وَإِنَّمَا اقتصرنا عَلَى ما قرب ذكره، واستقصينا ما يليق بمسألتنا حيث ينبغي ذَلِكَ، وبالله التوفيق.
باب في طريق الولاية والبراءة بالحقيقة، وبيان أقسامهما
ثُمَّ إِنَّ الولاية والبراءة ينقسم أمرهما قسمين: فقسم خارج عَلَى الحقيقة، وقسم عَلَى الحكم بالظاهر. فقسم الحكم بالظاهر قد ذكرنا وجوه صحَّته الأربعة. والقسم الخارج عَلَى الحقيقة فلا وصول إليه إِلاَّ من طريقين:
أحدهما: كِتَاب الله. والثاني: قول رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم. ولا مجال للإجماع في هَذَا الباب.
أَمَّا كِتَاب الله فقاطع بتلاوته عذرَ مَنْ سمعه. وَأَمَّا الرسول فسماعه أو الشهرة التي لا دفاع لها عنه.
وَإِنَّمَا لم يكن للإجماع حكم في هَذَا الأصل من قبل أَنَّ الإجماع حجَّة في الحلال والحرام، والفرائض والأحكام، دون علم أخبار الغيوب. والولاية والبراءة بالحقيقة علم الغيب، لا سبيل للخلق إلى الوصول إِلَيْهِ البتَّة، إِلاَّ أن يُجمعوا عَلَى صِحَّة خبر صدر من كتب الله أو رسول من رسل الله، فَذَلِكَ صادر عن وحي لا خلاف في لزوم القطع به. فإن شهد به عدول دون الشهرة المستفيضة فَذَلِكَ راجع إلى حكم الظاهر لإمكان تقوُّل العدول. فشهادة العدول توجب الحكم ولا تفيد العلم الحقيقي. وَهَذَانِ طريقَا صِحَّة قسم الحقيقي من الولاية والبراءة.
فصل [أقسام ولاية وبراءة الحقيقة، ونماذج من الأفراد المسمين]
ومع هَذَا فَإِنَّ هَذَا القسم يرجع إلى معنيين: أحدهما بالتعيين، والآخر بالصفة.
فالصفة راجعة إلى الولاية والبراءة في الجملة عَلَى ما قَدَّمنا ذكره.
وَأَمَّا التعيين فنوعان: جملة وأفراد. والأفراد معرفة ونكرة. والمعرفة مسمًّى وغير مسمًّى. فالمسمَّى كقول الله تَعَالىَ:
- ﴿وَإذْ قُلْنَا لِلْمَلآَئِكَةِ اسْجُدُواْ لاِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلآَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة: 34].
- وقوله: ﴿اِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [سورة القصص: 8].
- وقوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [سورة القصص: 76].
- وقوله: ﴿وَقَتَلَ دَاوُ دُ جَالُوتَ﴾ [سورة البقرة: 251].
- وقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ﴾ [سورة المسد] إلى آخر السورة.
- وقوله: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ التِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكِتَابِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [سورة التحريم: 12].
وَهَؤُلاَءِ مذكورون مفردون بأعيانهم وأسمائهم، فلا شَكَّ فيهم عندنا، وعِلمُنا بقصَّتهم في الخير والشرِّ يقين لا ريب فيه. وَالله أعلم.
فصل [نماذج من الأفراد غير المسمين]
وغير المسمَّى قَوله تَعَالىَ:
- ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذِي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [سورة الأعراف: 175].
- وقوله: ﴿أَوْ كَالذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ … ﴾ [سورة البقرة: 259]، إلى آخر الآية (1).
- وقوله في سورة يوسف: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّيَ أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ [سورة يوسف: 43]، الآية (2)
- وقوله: ﴿وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُومِنَيْنِ﴾ [سورة الكهف: 80].
- وقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَآءَهُ الاَعْمَى﴾ [سورة عبس: 1 - 2].
فَهَؤُلاَءِ في الخطاب معيَّنون غير مسمَّين، وقد أوردناهم مثالا يُسْتَدَلُّ
(1) تمامها: ﴿أَوْ كَالذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ … ﴾.
(2) تمامها: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّيَ أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَاكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَآ أَيُّهَا الْمَلأُ اَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.