كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

مسألة [العامُّ الذي يراد به العموم]:

الجزء ١ · صفحة ٢٢٨

<228> [سورة الإسراء: 2].

- وقوله فيهم: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الاَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [سورة الإسراء: 4].

- وقوله: ﴿إِنَّ الذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة الأعراف: 152].

- وقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً اَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [سورة يس: 13]، إلى قوله: ﴿بَلَ اَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ [سورة يس: 19].

- وقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنَ اَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُومِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [سورة آل عمران: 121]، وَهَذَا في وقعة أحد.

- وقوله: ﴿هُوَ الذِي أَخْرَجَ الذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمُ أَنْ يَّخْرُجُوا﴾ [سورة الحشر: 2]، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة الحشر: 4].

- وقوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [سورة الذاريات: 46].

- وقوله: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمُ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة الزخرف: 55].

وما أشبه هَذَا من الآيات المختص به فريق من الأُمَّة دون عَامَّة الناس. فَهَذِهِ الآيات في فريق من الناس معلوم ذكرهم الله جملة، وفيهم يقع العموم والخصوص، وَهَذَا الوجه هو الذي يجب الفحص عن وجه العموم والخصوص فيه، فَإِنَّهُ من قبل السؤال الذي وقعت فيه المعارضة، وكثرت في معانيه المناقضة، وبالله التوفيق. وسيأتي ذكره بعد شرح العموم والخصوص إن شاء الله.

باب: بيان العموم والخصوص في القرآن

فمما لا خفاء فيه ولا شَكَّ فيه أنَّا وجدنا أخبار القرآن عَلَى أربعة أضرب: خصوص يراد به الخصوص، وخصوص يراد به العموم، وعموم يراد به الخصوص، وعموم يراد به العموم.

فالخصوص الذي يراد به الخصوص:

- قوله: ﴿وَإذْ قُلْنَا لِلْمَلآَئِكَةِ اسْجُدُواْ لاِدَمَ﴾ [سورة البقرة: 34]، فخصَّ بِذَلِكَ آدم دون غيره.

- وقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [سورة آل عمران: 59]، فخص عيسى بِذَلِكَ دون غيره.

- وقوله: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لآَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآئِبِينَ﴾ [سورة النمل: 20]، فَهَذِهِ الآية في هدهد سليمان بن داود عليهما السلام، وهي خَاصَّةٌ فيه، وقد كان قناء (1)، أي عالما بالماء من الأرض، ولم يكن في الهداهد عالم بالماء غيره.

وقد وجدت أَنَّ هَذَا الضرب من المحكم الذي لا يحتمل وجهين؛ لأَنَّهُ عَلَى ظاهر لفظه، وَالله أعلم.

مسألة [الخاصُّ الذي يراد به العموم]:

وَأَمَّا الخاصُّ الذي يراد به العموم فقوله عَزَّ وَجَلَّ:

- ﴿يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [سورة التحريم: 1]،

- وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا اِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾ [سورة الإسراء: 23].

- وقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [سورة النحل: 125].

- وقوله: ﴿لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ـ اخَرَ﴾ [سورة الإسراء: 22].

فَهَذَا وما أشبهه خطاب للنَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو عامٌّ لجميع الْمُكَلَّفِينَ.

- وقوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [سورة النجم: 49]، أراد: رَبُّ كُلِّ شَيْء، وأكد بالشعرى حيث كان حَيًّا [كذا] من خزاعة يعبدونها.

- وقوله تَعَالىَ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَآءَهُ الاَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [سورة عبس: 1 - 3]، فالخطاب في عبد الله بن شريح، من بني عامر بن لؤي، وهو ابن أم مكتوم، فالخطاب في عبد الله والمراد هو وغيره. قالوا: فَهَذَا من المتشابه بخروج معناه زيادة عَلَى لفظه، وَالله أعلم.

مسألة [العامُّ الذي يراد به العموم]:

وَأَمَّا العموم الذي يراد به العموم فقوله تَعَالىَ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 40]، وقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [سورة النمل: 91]؛ فَهَذَا عامٌّ لِكُلِّ شَيْء. وَأَمَّا قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُومِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: 68]، فَهَذَا عامٌّ للمؤمنين، وقوله: ﴿قُلَ اَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [سورة الناس: 1]، وقوله: ﴿اِلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة: 1]، فَهَذَا عامٌّ للناس والعالمين، ولا وجه للتخصيص في مثل هَذَا البتة، وَهَذَا ما لا يحصى في القرآن إِلاَّ ما شاء الله، وهو ما عُرف عمومه بضرورة العقل

(1) في اللسان: «والهدهد قَناء الأَرض، أي عالم بمواضع الماء». ابن منظور: لسان العرب، 15/ 204.

١٢ / ٥٣