باب في بيان الخطاب لفريق من الناس في الجملة إلى من يرجع إلى أشخاصهم أو إلى دينهم؟
الجزء ١ · صفحة ٢٣٣<233> أَنَّ ظاهر الخطاب إِنَّمَا قضى للمهاجرين والأنصار في الجملة، كما قضى لأصناف من الناس معيَّنين من الأبرار والفجار، ثُمَّ صَحَّ في بعضهم دون بعض عَلَى ما سنذكره إن شاء الله تَعَالىَ.
- والثاني: أَنَّ كون هَؤُلاَءِ المحدثين من المهاجرين والأنصار عَلَى الحقيقة فيه نظر لاَ بُدَّ أن نذكره عَلَى الانفراد إن شاء الله.
- والثالث: أَنَّ المهاجرين والأنصار أُمَّة من الناس كثرت أو قلَّت فهي تحتمل الخصوص، فإذا صَحَّ الخصوص أو احتمل بطل (1) القطع لأحد منهم عَلَى الانفراد بعينه.
- والرابع: عدم ظهور ذَلِكَ بينهم وإشاعته فيهم لاسيما بمحضر النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم المبعوث ببيان كُلِّ ما لا يسع جهله فلم يَصِحَّ ذَلِكَ، فَدَلَّ أَنَّهُ لو كان لَظَهَرَ لِعظَم منازلهم في الإِسلاَم في حكم الظاهر.
- والخامس: أَنَّ هَذَا مؤدٍّ إلى تخطئة الأُمَّة بأسرها، لأَنَّهُم بين منزلتين لا ثالث لهما، فمنهم من خطَّأ أهل النهر وتبرَّأ منهم لخروجهم من طاعة عليٍّ وصوَّب عليًّا. ومنهم من خطَّأ عليًّا وبرئ منه وَمِمَّن اتَّبَعَه وصوَّب أهل النهر، وأهل النهر فيهم من المهاجرين والأنصار من لا يُجهل موقعه، ولا يخفى موضعه، ولا أعلم أحدا من الأُمَّة صوَّبهم جميعا، إِلاَّ أن يكون أحد مِمَّن قد صَحَّ خطؤه في بعض الأصول المشهورة التي ضلُّوا بها، فَذَلِكَ حدث يعدُّ من الأحداث، فأين كان المحقُّ من بين الأُمَّة إذ ذاك؟ هَذَا ما لا يكون ـ وَالله أعلم ـ لأَنَّ المتبرئ من عليٍّ والمتبرئ من أهل النهر وفيهم [من] المهاجرين والأنصار قد برئوا جميعا من المهاجرين والأنصار عَلَى هَذِهِ الصفة، فافهم ذَلِكَ، وبالله التوفيق.
باب في بيان الخطاب لفريق من الناس في الجملة إلى من يرجع إلى أشخاصهم أو إلى دينهم؟
فالخطاب إذا ورد لفريق من الناس في الجملة عَلَى الأحكام الموجبة للولاية والبراءة كان راجعا إلى حكم الصفة التي وقع المدح أو الذمُّ لهم عَلَيْهَا أو لم يجر الحكم به لِكُلِّ واحد منهم عَلَى الانفراد ولا عَلَيْهِ، إِلاَّ أن يَخْتَصَّ في ذاته بحكم ظاهر أو حقيقة.
الدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الله مدح قوما في الجملة وأثنى عَلَيْهِم، وذمَّ قوما في الجملة وفسَّقهم، وفيهم من لا يستَحقُّ ذَلِكَ عنه فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى إرادة التخصيص في بعض دون بعض، وَذَلِكَ جائز ليس بمنكر أن يقول القائل: لقيت الحاجَّ (2)، وهو إِنَّمَا لقي بعضهم، فممَّن أثنى الله عَلَيْهِم في الجملة مدحه بتسميته إِيَّاهُم المؤمنين حزب نبيئه محَمَّد - عليه السلام - في وقعة أحد قَوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنَ اَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُومِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمُ أَن تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُومِنُونَ﴾ [سورة آل عمران: 121 - 122]، وقال: إِنَّ الله وليُّ الطائفتين اللتين همَّتا أن تفشلا، وهما حيُّ المدينة: الأوس والخزرج، همَّتا ألاَّ تخرجا مع النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، فعزم الله لهما الرشد ففعلتا الذي هو خير. والتسمية بالمؤمنين إِنَّمَا توجه الخطاب بها إلى الذين كانوا مع رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يبوئهم مقاعد للقتال، ولم تعلم أَنَّهُ صلَّى الله عليه وسلَّم يبوئ قوما مخصوصين من جنده وجيشه، بل الموجود في التفسير أَنَّهُ صفَّ المهاجرين وأوعز إِلَيْهِم إذا شدَّدتُ فشدِّدوا،
(1) في الأصل: «بط … و [انمحاء] القطع».
(2) كذا، ورسم الكلمة غير واضح، لَعَلَّ الصواب: الحجاج.