مسألة [من يستَحقُّ الولاية والبراءة]:
الجزء ١ · صفحة ٢٢٤<224> ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَآءَهُ إِنَ اَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾ [سورة الأنفال: 34]، فأخبر عزَّ وجلَّ أنَّ القوام بالمسجد هم أولياؤه، يعني المتولين لحفظه وصيانته.
مسألة [معنى ولاية المؤمنين لله]:
وقال: المؤمنون أولياء الله معنى ذلك أنهم يتولون القيام بطاعته وعبادته ومدحه وتعظيمه، ونصرة أوليائه. وكذلك ولاية المؤمنين بعضهم لبعض إنما هي تولي بعضهم نصرة بعض وحفظه.
مسألة [معنى براءة الله من المشركين]:
ويقال: إن الله بريء من الكافرين والمنافقين، ومعنى ذلك ضدُّ المعنى في الولاية، وهو أنه يخذلهم ولا ينصرهم ولا يدفع عنهم المكاره كما يدفعها عن المؤمنين، وأنهم يكلهم إلى أنفسهم، ويتركهم في عقوبات الدنيا والآخرة.
مسألة [معنى عداوة الله للفساق]:
ويقال: إِنَّ الله يعادي الفساق، ومعنى عداوته لهم بغضه إياهم، وكراهة أن يفعل لهم الخير والثواب الذي يفعله بالمؤمنين، وإرادته لهم الضرر والعقاب.
وضدُّ عداوته للكفار المحبة؛ لأن العداوة هي البغض؛ لأنه لا يبغض أحد أحدا إلا وهو له معاد، ولا يعاديه إلا وهو له مبغض. وهذه معاني الولايات والموادَّاة.
مسألة [ولاية وبراءة الجملة فرض، وما بعد ذلك فهو موكول إلى علم المكلفين]:
ففرض الولاية والبراءة على كل مكلف أن تجب في الجملة، وهي أنَّ الولاية لجميع أولياء الله من الأولين والآخرين إلى يوم الدين. والبراءة من جميع أعداء الله من الأولين والآخرين إلى يوم الدين.
فهذا ما به الكفاية لكل مكلف في جملة اعتقاده للدين حتَّى تقطع الكلفة في معيَّن صحَّ له فيه ما يوجب ولاية أو براءة فَإِنَّ الأصل الأعمَّ أنَّ الله تعالى ما كلَّف عباده من علم خليقة، وما تعبَّدهم له من بريته إلا ما أطلعهم عليه، ووصل علمهم إليه، لم يكلفهم علم ما غيَّبه عنهم، وحجبه دونهم. والولاية والبراءة شاهِدَتَا علمٍ لا ينبغي للمكلَّف تجاوز علمه، ولا الشكُّ في يقينه وحكمه. فافهم ذلك وتدبَّرْه. وبالله التوفيق.
فصل أصلي [أقسام الناس عقليا]:
ومن الإجماع الذي لا مناكرة فيه أنَّ الناس مع كلٍّ في خَاصَّة نفسه فريقان: أحدهما مجهول الحال، والآخر معلوم الحال؛ فمجهول الحال عند الْمُكَلَّف في وقوف الدين اللازم في كُلِّ مشار إِلَيْهِ بعينه، واكتفاء بولاية الجملة لجميع أولياء الله، والبراءة من جميع أعداء الله، فَإِنَّ كُلَّ مشار إِلَيْهِ بعينه لا محالة داخل في أحدهما بالانقسام العقلي … [انمحاء قدر حرفين] وبِأَنَّ الناس ثلاثة: أمر بان لكم رشد فاتبعوه، وأمر بان لكم غيه فاجتنبوه، وأمر أشكل عليكم فكلوه إلى الله، وَهَذَا الثالث هو الفريق المجهول.
مسألة [من يستَحقُّ الولاية والبراءة]:
وَأَمَّا الفريق المعلوم الحال فصنفان: صنف علم منه الخير، وهو الموافقة في الدين بالقول والعمل، وَهَذَا هو الوليُّ. وصنفٌ عُلم منه الشرُّ، وهو المخالفة في الدين بقول أو عمل، فَهَذَا هو المخلوع المستحقُّ البراءة والعداوة؛ ولهذا التقسيم صار الوقوف بالدين هو معنى واحد يضادد الولاية والبراءة و