كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

فصل آخر ثالث [وصَفَ الله تعالى الأوس والخزرج بالإيمان رغم وجود منافقين منهم]

الجزء ١ · صفحة ٢٣٥

<235> ووصفهم بالكفر في تلك الوقعة فقال: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ﴾ [سورة آل عمران: 127]، فأخبر عن كفرهم، وفيهم من أسلم بعد ذَلِكَ، مثل خالد بن الوليد ومن أشبهه، فلم يتوجَّه تكفير الله إِيَّاهُم في الجملة إلى كُلِّ واحد منهم عَلَى الانفراد، ولا وجب ذَلِكَ فيهم عَلَى الحقيقة، فانظر في ذَلِكَ وبالله التوفيق.

فصل آخر ثانٍ [وَصْفُ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين لأجل التفريق بين حزبه وحزب محاربيه]

ثُمَّ لو صَحَّ ذَلِكَ وثبت لوجب لأهل بدر ولأهل حنين أَنَّ الذين خوطبوا بِذَلِكَ في أُحُد هُمُ المخاطبون في حنين وبدر بقوله تَعَالىَ يخاطب النبي وأصحابه الذين جاهدوا معه في حنين وأحد وبدر وغير ذَلِكَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمُ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة آل عمران: 123]، وقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [سورة التوبة: 25]، إلى قوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَّشَآءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: 27]، فلم نعلم السكينة نزلت يوم حنين عَلَى بعض دون بعض، بل نزلت عَلَى أصحاب النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم الذين شهدوها عنده بعد هزيمتهم، فلم تكن السكينة بنزولها عَلَيْهِم موجبة لهم ولاية الحقيقة عَلَى الانفراد، بل كان ذَلِكَ مِمَّا خصَّ الله به حزب نبيه - عليه السلام -، فرقا بين تسميته محاربيه وناصريه، فسماهم بالجملة مؤمنين وإن كان فيهم غير مؤمنين عَلَى الحقيقة لظاهر نصرتهم الإيمان، ووصف محاربيهم بالكفر لقتالهم أهل نصرته عَلَى الجملة، وإن كان فيهم من سيؤمن، لقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَّشَآءُ﴾، فَهَذَا وجه الخطاب في الفريقين في الجملة.

فصل آخر ثالث [وصَفَ الله تعالى الأوس والخزرج بالإيمان رغم وجود منافقين منهم]

ومن ذَلِكَ تسمية الأوس والخزرج بالمؤمنين في غير آية عَلَى الجملة، بقوله تَعَالىَ: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكمُ إِذْ كُنتُمُ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾ [سورة آل عمران: 103]، وَذَلِكَ أَنَّ الأوس والخزرج كانت بينهم الحرب قبل مبعث النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، بأربعين سنة، يجتمعون كُلَّ عام فيقتتلون، فكانوا زمانا في حرب رجل يقال له: سمير، ثُمَّ كانوا عند مبعث النبي - عليه السلام - في حرب خاطب بن عبد الله مولى لهم، كادوا يتفانون عَلَيْهِ فيما بينهم، فبعث النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى تلك الحالة فألَّف بين قلوبهم فصاروا إخوانا لبعضهم بَعْضًا، وتركوا تلك العداوة، وأنزل سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُومِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوَ اَنفَقْتَ مَا فِي الاَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمُ﴾ [سورة الأنفال: 62 - 63].

فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون ظاهر هذه الآية عامًّا في المؤمنين دون الأوس والخزرج عَلَى الخصوص؟ قيل له: ليس بمنكَر ذَلِكَ أن تكون نزلت فيهم خَاصَّةً ثُمَّ هي عَامَّة، ولكن قد مضى الذين علمنا منهم المهاجرين والأنصار أَنَّ المؤمنين (1) في هَذِهِ الآية الأوس والخزرج للاختلاف والنزاع الواقع بينهم قبل الإِسلاَم، وتأليف الله بينهم لنصرة نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد وصفهم بالمؤمنين، ولم تكن لهم تلك الصفة لهم عَلَى الجملة لِكُلِّ واحد منهم بذاته عَلَى الانفراد (2) أَنَّهُ مؤمن (3) عَلَى الحقيقة.

وأين كان المنافقون الذين وصفهم الله في كِتَابه إِلاَّ من هَؤُلاَءِ الذين جرى عليهم في الجملة هَذَا الذكر ذَلِكَ لإرادة السبيل الذي قاموا به، والمقصد الذي اجتمعوا عَلَيْهِ، إذ كانوا هم جمهور من أظهر الله الإِسلاَم به، وغلبت جند الله ونظراؤهم المهاجرون، فَهَؤُلاَءِ قبيلان كانا حزب الله، وكان

(1) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «قوله: "أنَّ المؤمنين" مفعول لـ"علمنا" وقوله: "منهم … "الخ بيان للمؤمنين وَبَعض منهم».

(2) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «قوله: "على الانفراد" مُتَعَلِّق بـ"تكن"، وقوله "على الجملة" مُتَعَلِّق بـ"الصفة"».

(3) وعلَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «قوله: "أنه مؤمن" بدل بدل من الصفة».

١٩ / ٥٣