كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

فصل وإن كنتَ غير قاطع في هَذَا الخطاب بعموم ولا خصوص، وأنت واقف فيه

الجزء ١ · صفحة ٢٤٤

<244> الإجماع؟ فلا يجد إلى أحد ذَلِكَ سبيلا.

وإن قال: إِنَّهُ يحتمل التخصيص، قيل له: فولاية الحقيقة إذًا بعدُ لم تَصِحَّ، فإن قال: نعم، قيل له: فما لم تَصِحَّ ولاية الحقيقة فحكم الظاهر قاض بالإجماع بخطإ أحد من المقتتلين، وأيُّ الطائفتين أحقُّ بالخطإ، من ثبت عَلَى الأصل المجتمع عَلَيْهِ أم من رجع عنه إلى الرأي؟ فلا يجد عن هَذَا محيصا.

فإن قال: هو محتمل عَلَى الخصوص وَلَكِن ما لم يَصِحَّ الخصوص فنحن عَلَى العموم.

قيل له: لا انفكاك لك أَيُّهَا المعارض من إحدى درجتين: إِمَّا أن تكون قاطعا في هَذَا الخطاب بعموم أو خصوص عَلَى الحقيقة أو غير قاطع، فإن كنت قاطعا فيه بخصوص فهو الذي أردنا هو الحقُّ الصريح الذي لا شَكَّ فيه عندنا، وسنذكر الأَدِلَّة فيه إن شاء الله. فإن كنت قاطعا بعموم فمن أين لك ذَلِكَ؟ أفي الكِتَاب أَنَّ هَذَا الخطاب عموم أم في السُّنَّة جاز ذَلِكَ أم في الإجماع؟.

أَمَّا الكِتَاب وَالسُّنَّة فلا يمكنه ادِّعاء عموم هَذِهِ الآيات منهما، فَإِنَّ الكِتَاب قد جاء فيه الخطاب عَلَى الوجوه الأربعة التي قَدَّمنا ذكرها، فمتى ثبت لنا عمومه بالإجماع، وَإِلاَّ فالوقوف حَتَّى يَتَبَيَّنَ الخصوص؛ فَإِنَّ الله تَعَالىَ لم يتعبَّدنا بعلم الأخبار إِلاَّ ما خرج منها مخرج الأمر والنهي ثُمَّ وقعت الكلفة به، فهنالك يجب الفحص عنه، وبالله التوفيق.

وَأَمَّا الإجماع فيصعب عنه ذَلِكَ، وكفى باختلاف الصحابة دَلِيلاً عَلَى عدم الإجماع عَلَى ولايتهم الحقيقة عَلَى الانفراد، ولو كان ذَلِكَ كَذَلِكَ لكانت شهرته أظهر، والكلام فيه أكثر، وَلَكِنَّ الله طوى ذَلِكَ عَلَى العباد، وعرَّفهم طريق الصلاح والفساد، وابتلاهم بأعظم المحن، ووقعت بينهم الفتن، حجَّةً للناس وَعَلَيْهِم، وتمحيصٌ توجَّه إِلَيْهِم، فنسأل الله التمسُّك بأرشد دَلِيل، والسلوك لأقوم نهج وأعدل دَلِيل [كذا، لعله: سبيل].

فصل

وإن كنتَ غير قاطع في هَذَا الخطاب بعموم ولا خصوص، وأنت واقف فيه حَتَّى يقوم لك دَلِيل عَلَى أحد الوجهين فحكم الظاهر قاطع عليك إذ قد تيقَّنته، ولا يدفع هَذَا اليقين إِلاَّ بيقين، فمتى لم يكن فولاية الحقيقة ساقطة، وحكم الظاهر واجب.

فإن قال: فإذا كنت واقفا للإشكال المعترض في هَذَا الخطاب فلم لا يكون الوقوف عن حكم الظاهر سائغا، فلا أبرأ من أحد منهم ولو أحدث كفرا؟ قيل له: حكم الظاهر واجب، وعلم الخصوص والعموم في الخطاب غير واجب لِمَا ذكرناه، فالواجب لا يرتفع بالشكِّ، كيف وأنت تَتَوَلَّى المهاجرين والأنصار الذين ذكرهم الله في الجملة لو لم يكن منك إِلاَّ الإيمان بالقرآن والتصديق به، وولاية المهاجرين والأنصار قد دخلت في ذَلِكَ، كما تَتَوَلَّى جميع أولياء الله في الجملة، وتتبرَّأ من جميع أعداء الله في الجملة؛ فإن كان الذي برئت منه بحدثه الكفر في علم الله من السعداء الذين قد رضي الله عنهم فهو داخل في ولايتك للمهاجرين والأنصار الذين قد رضي الله عنهم، ولا تَضُرُّك البراءة بحكم الظاهر؛ لأَنَّكَ قمت فيها بفرض أوجبه الله عليك، كما أوجب عليك ولاية

٢٨ / ٥٣