كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

باب: الجواب عن ذلك بجملة مقتصرة

الجزء ١ · صفحة ٢٢١

<221> تأويله، ولا يجهل معقوله.

ففيما ذكرنا ونحوه ما يدل على توجيه ولاية الحقيقة إليهم، ويعرب عن النصِّ بالتعيين عليهم، فهلاَّ كان تحسين الظنِّ بهم، والتمسُّك بسابقة فضلهم أولى من إساءة الظنِّ بهم، والطعن عليهم، وقد قيل: إِنَّ الخطأ في الولاية أهون من الخطأ في البراءة. وقيل: إِنَّ البراءة من المسلم كقتله.

باب: الجواب عن ذلك بجملة مقتصرة

فالجواب وبالله التوفيق: فَإِنَّ هَذَا فصل يتَّسع فيه المقال، ويكثر فيه النظر والجدال، ولن ينكشف قناع المجمل من فصوله، ويظهر الحق من مبهم أصوله إِلاَّ ببيان القواعد المجتمع عَلَيْهَا، وإيضاح الموارد والمصادر التي يرجع إِلَيْهَا، فما كُلُّ حسناء حرَّة، ولا كُلِّ سوداء تمرة؛ فلربما يجيء النظر بما لا يَصِحُّ في التحصيل، وكم من مغترٍّ به لا يثبت في التحصيل، فالمغترُّ برائق الظنِّ غبيٌّ [كذا]، والمفحم عن وجه حجَّته بكيٌّ [كذا]. ففي الاعتبار تخف الموازين وتثقل، وعند الترجيح يختل الفاسد ويبطل، فلا بد الآن من الاقتصار على تقديم جملة وجيزة باقتصار يقتضي الإجابة عن هذا السؤال، الصادر عن تأويل بالظن في الأغفال، ثمَّ نأتي بعدها بالشرح الشافي، والبيان الجلي الكافي، مؤيدا بالشواهد القاطعة، والأدلة الساطعة، والحجج البالغة، والعلل الدامغة، رحمةً لأهل الاسترشاد، وحجَّة على كلِّ معارض مزدوج العناد، بتوفيق الله ومنِّه، ومعونته ويمنه إن شاء الله.

جملة الجواب

فالقول: إِنَّ البراءة إنما ساغت ووجبت ممن صح عليه منهم الحدث المحرَّم بالدين في المخالفة للحق المبين، والمفارقة للطاعة والخروج عن الجماعة وإمامهم، فكانوا أعلى درجة، وأرفع منزلة، وأعظم قدرا، وأسنى ذكرا من أن ترتقي إليهم عداوة بعض العوام، وينالهم عناد سائر الأنام، ولكن لَمَّا رفعهم الله بالدين وشرفهم عند قيامهم به على اليقين، حط درجة من أتى منهم بضده، فلم يستقم في دينه مساواة الحق ونده.

الدليل على ذلك أنا وجدناهم قد اختلفوا في أشياء كثيرة، ولكن كان اختلافهم على ضربين:

- فضرب لم يخطِّئ بعضهم بعضًا فيه، وهو اختلاف رأي، كاختلافهم في ميراث الأرحام، وميراث الإخوة مع الجد، وما أشبه ذلك من الاختلاف في الأحكام والطلاق والنفقات وغير ذلك.

- والضرب الثاني خطَّأ بعضهم بعضًا فيه، وتحاربوا عليه، وسفكوا على ذلك الدماء، وكثرت [كذا] بينهم القتلى به، وهو اختلاف دين وتضاد، كاختلافهم

٥ / ٥٣