كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

مسألة [الاستدلال بطريقة السبر والتقسيم على احتمال التخصيص عند إطلاق المهاجرين والأنصار]:

الجزء ١ · صفحة ٢٤٣

<243> الله نفاقهم في غزوة تبوك بعد خروجهم مع النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، ثُمَّ مع قَوله تَعَالىَ فيهم: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الاَعْرَابِ أَنْ يَّتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً اِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [سورة التوبة: 120]، وقد خصَّ الله تَعَالىَ أهل المدينة وعمَّ من حولهم من الأعراب بِأَنَّهُ لا يضيع عملهم، فلو حملنا الخطاب عَلَى ظاهره وقطعنا بعمومه أوجب أن نحكم لِكُلِّ خارج منهم مع رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بِأَنَّهُ مقبول منه عَلَى الحقيقة، وَلَكِنَّ الخطاب أجملهم، وَصَحَّ أَنَّهُ مخصوص في المخلصين … [كلمة غير مفهومة، رسمها: يخص] بخروج المنافقين منهم. وَإِنَّمَا أظهر الله نفاق المنافقين عَلَى ما وجدت في غزوة تبوك. ويقال: إِنَّهَا قد فضحت المنافقين فافهم ذَلِكَ، فَهَذَان الوجهان هما ركنا المسألة، وَعَلَيْهَا مدار هَذِهِ المعارضة، وقد أوردنا من بيان الحقِّ فيها وما يبطلهما ما فيه كفاية لمن منَّ الله عَلَيْهِ بالهداية، فمن شهد لِكُلِّ مهاجريٍّ أو أنصاريٍّ بولاية الحقيقة قطعا عَلَى ما صَحَّ له عنده له في حكم الظاهر لزمه الشهادة بولاية الحقيقة لِكُلِّ من بوَّأه رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مقعدا للقتال في أُحد، وَلِكُلِّ من خرج معه في غزوة تبوك، وَلِكُلِّ من كان من الأوس والخزرج وإن وقف عَلَى أحد من هَؤُلاَءِ لزمه الوقوف في المهاجرين والأنصار بعينه، وَإِلاَّ فلا فرق بينهما، إذ هم جميعا مخصوصون من بين الأُمَّة بذكر امتازوا به عن غيرهم. وَإِذَا ثبت هَذَا وجبت الشهادة بغضب الله تَعَالىَ عَلَى كُلِّ من صَحَّ أَنَّهُ من قوم موسى بحكم الله تَعَالىَ عَلَيْهِم من اتِّخَاذ العجل.

فإن قال قائل: إِلاَّ من تاب.

قلنا: فإذًا يرتفع الغضب عن جميعهم؛ لأَنَّ التوبة كانت عَلَيْهِم جميعا، فمن الذي استحقَّ الغضب ووقع عَلَيْهِم الخطب، فلا يجد بدًّا من أَنَّهُ خطاب عموم يراد به الخصوص، وَكَذَلِكَ غيره، وَإِنَّ الغضب واقع عَلَى من لم يتب لا محالة فهناك يَصِحُّ الحكم ويستقيم، وَالله جواد كريم.

باب: احتمال التخصيص في الخطاب بالمهاجرين والأنصار

وَأَمَّا الوجه الثالث، وهو أَنَّ المهاجرين والأنصار أُمَّة من الناس قلَّت أو كثرت فهي تحتمل الخصوص، فإن صَحَّ الخصوص فيها أو احتمل بطل القطع لأحد منهم بعينه عَلَى الانفراد، فَهَذَا وجه قد تَقَدَّمَ من كلامنا في مثله ما يشفي الغليل (1)، ويُكتفى منه بالقليل، وَلاَ بُدَّ من أن نرسم فيه خَاصَّة ما أغفلنا ذكره فيما مضى، وَالله الموفق المعين.

مسألة [الاستدلال بطريقة السبر والتقسيم على احتمال التخصيص عند إطلاق المهاجرين والأنصار]:

فأقول: إِنَّ الخطاب بالجملة في المهاجرين والأنصار: ﴿وَالذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا﴾ [سورة الأنفال: 74]، لا يخلو أن يكون محتملا للخصوص أو غير محتمل، فإن كان غير محتمل فكيف ينبغي طلب الدَّلِيل عَلَى تخصيصه وهو لا يحتمل التخصيص، وعندي أَنَّ المعارض لا يقول هَذَا. فإن قال ذَلِكَ قيل له: ما الفرق بين هَذَا الخطاب في هَؤُلاَءِ وبين غيره من القوم الذين ذكرهم الله في الجملة وفيهم من لا يستَحقُّ ذَلِكَ الذكر وَكُلُّهم مُعَيَّنون مخصوصون؟ فلا يجد فرقا.

ويقال له: من أين علمت أَنَّهُ لا يحتمل التخصيص، من الكِتَاب أم من السُّنَّة أم من

(1) في الهامش: «خ: العليل، بالعين المهملة».

٢٧ / ٥٣