فصل خامس [ذمَّ الله بني النضير رغم أنَّ منهم صفيَّة بنت حيي رضي الله عنها]
الجزء ١ · صفحة ٢٣٦<236> قد استبطنهم (1) من جماعتهم مِمَّن ليس بمرضي حَتَّى أظهر الله نفاقهم، وأطلع الله عَلَيْهِ نبيه، فَهَذَا من ذَلِكَ الضرب فافهمه.
فصل رابع [مدح الله الخارجين مع النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك، وفيهم منافقون]
ومن قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الاَعْرَابِ أَنْ يَّتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: 120]، إلى قوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة التوبة: 121]، فأهل المدينة معروفون بأعيانهم، ومن حولهم من الأعراب قيل: هم جهينة ومزينة وأسد وغفار وأشجع. وَإِنَّمَا نزلت هَذِهِ الآية في غزوة تبوك، وهي خَاصَّة فيمن ذكره الله تَعَالىَ، وقد قال سُبْحَانَهُ: لا يضيع عملهم، فَعَلَى ما ذكر المعارض قد استحقَّ كُلُّ خارج عند النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم في تلك الغزوة من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ولاية الحقيقة عَلَى الانفراد.
وكيف يكون ذَلِكَ وفيهم من قد أخبر الله بكفره ونفاقه حيث يقول: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: 47]، يعني المنافقين أو المشركين. وقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلَ اَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة التوبة: 65]، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بينما هو يسير في رجوعه من غزوة تبوك، إذ أربعة نفر يسيرون بين يديه وهم يضحكون، فنزل جبريل عَلَى نبي الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبره أَنَّهُم يستهزئون بِاللهِ ورسوله وبكتابه، فبعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عَمَّار بن ياسر فقال: أدركهم قبل أن يحترقوا فاسألهم مِمَّن كانوا يضحكون؟ فسيقولون: مِمَّا يخوض فيه الركب إذا سار، فلحقهم فقالوا كَذَلِكَ، فقال عَمَّار: صدق الله فبلَّغ الرسول، احترقتم لعنكم الله!.
وفيهم الذين قال الله تَعَالىَ فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ [سورة التوبة: 74]، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم خطب الناس وهو بتبوك حين أنزل الله من عيوب المنافقين ما أنزل، فذكرهم بما ذكرهم، وسماهم رجسا، وعابهم، فغضب لهم رجل يقال له الجلاس بن سويد بن صامت (2)، أخو بني عمرو بن عوف، فقال: والله إن كان محَمَّد صادقا فيما يقول عَلَى إخواننا وساداتنا لنحن إذًا شرٌّ من الحمير!. وهي كلمة الكفر، فقال عامر بن قيس: أجل، وَاللهِ إِنَّهُ لصادق مصدَّق، ولأَنت وأصحابك أشرُّ من الحمير!. فَلَمَّا قدِم رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة بلغه عامر بن قيس ما قاله الجلاس، فأرسل رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى عامر وَإِلىَ الجلاس، فحلف الجلاس عند المنبر أَنَّهُ ما قال شَيْئًا من ذَلِكَ، وَأَنَّ عامرًا لكاذب، فحلف عامر بِاللهِ لقد قاله. ثُمَّ رفع يديه ثُمَّ قال: اللَّهُمَّ أنزل عَلَى نبيك من الصادق مِنَّا. فقال النبيُّ وأصحابه: آمين، فنزلت هَذِهِ الآية. فانظر كيف يأتي الخطاب من الله لقوم جمعهم للقيام بدينه ونصرة نبيه - عليه السلام -، وفيهم من لا يستَحقُّ ذَلِكَ بالحقيقة، وَإِنَّمَا أراد به تفضيل ما قصدوه ونصروه في الظاهر وأرادوه والحثَّ عَلَيْهِ، وذمَّ من يتخلَّف عنه، وقد يتخلف عنه من علم الله أَنَّهُ سيؤمن بعد ذَلِكَ، فافهمه، وبالله التوفيق.
فصل خامس [ذمَّ الله بني النضير رغم أنَّ منهم صفيَّة بنت حيي رضي الله عنها]
نظير ذَلِكَ في الذين ذمَّهم الله ووصفهم بالكفر، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الذِي أَخْرَجَ الذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [سورة الحشر: 2]، وهم بنو النظير لَمَّا أجلاهم نبي الله - عليه السلام -،
(1) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «قوله: "استبطنهم" أي جعل في باطنهم نفاقا». ويبدو أَنَّ المعنى: اتخذهم بطانةً له، أي استظهر واستعان بهم.
(2) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «الجلاس قيل في بعض التفاسير: إِنَّهُ تاب وحسنت حاله، وَالله أعلم».