مسألة [نماذج من حكم الصحابة على بعضهم بالظاهر: القوم الذين اجتووا المدينة، والخائضون في حديث الإفك]:
الجزء ١ · صفحة ٢٤١<241> لأجل قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُومِنُونَ حَقًّا﴾ [سورة الأنفال: 74]؟ أم من ذا الذي يشهد لأحد من أهل أُحد مِمَّن كان رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يبوِّئهم مقاعد للقتال، إذ جعل لِكُلِّ كتيبة كتيبة وخمسين راميا، أمَّر عَلَيْهِم عبد الله بن جبير الأنصاري، لِقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنَ اَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُومِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [سورة آل عمران: 121]؟ أم من يشهد لأحد بعينه من أهل بدر وحنين مِمَّن نزلت عَلَيْهِم السكينة بعد الخوف بالسعادة والإخلاص عَلَى الحقيقة، لقول الله تَعَالىَ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ اِذَ اَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الاَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُومِنِينَ … ﴾ الآية [سورة التوبة: 25 - 26]، فيا ليت شعري جهلوه في بعضهم بَعْضًا أم كتموه أو كان شاهرا فقال (1) إلينا خلافه؟ هيهات، بل الحقُّ أوضح من ذَلِكَ، فلا يخفى عَلَى جماهير أهل العدل، وبالله التوفيق.
مسألة [نماذج من حكم الصحابة على بعضهم بالظاهر: القوم الذين اجتووا المدينة، والخائضون في حديث الإفك]:
وإن كان الخطاب توجَّه إلى المعروفين بالمهاجرين والأنصار في حكم الظاهر، سواء بدلوا أو لم يبدلوا، أصرُّوا عَلَى مخالفة حقٍّ أو لم يصرُّوا، فَهَذَا هو المعنى الراجع إلى الأشخاص، وذكر المهاجرين والأنصار إِنَّمَا هو عَلَى هَذَا المعنى كاسم زيد وعمرو، والفرق بين طوائف الأُمَّة، وما أظنُّ هَذَا ينساغ في وهم متديِّن وإن ضعفت قريحته، عَلَى أَنَّ الخطاب الذي أجمل المهاجرين قد شمل عَلَى قول المعارض قوما أخبر الله بنفاقهم حيث يقول عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنَ اَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُّضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ [سورة النساء: 88]، وهم قوم من أهل مَكَّة هاجروا إلى المدينة، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بها، فَلَمَّا قدموا المدينة اجتووها (2) وندموا عَلَى الهجرة، فأرادوا الرجوع إلى مَكَّة، فقالوا: كيف نفعل؟ فقال بعضهم: نخرج كهيئة البداة، ففعلوا، فقال لهم المسلمون: ما تريدون؟ فقالوا: اجتوينا المدينة فخرجنا نتنزَّه، فصدَّقوهم، فجعلوا ينتقلون منقلة منقلة حَتَّى تباعدوا عن المدينة، فأدلجوا فأصبحوا قد قطعوا أرضا بعيدة، ثُمَّ كتبوا فأرسلوا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بِأَنَّنَا عَلَى الدين الذي فارقناك عَلَيْهِ، وَلَكِنَّنَا اشتقنا إلى بلدنا واجتوينا المدينة. ثُمَّ أرادوا الخروج في تجارتهم إلى الشام، فاستبضعهم أهل مَكَّة وقالوا لهم: إِنَّكُم عَلَى دين محَمَّد إن لقوكم فلا بأس عليكم منهم. فخرجوا من مَكَّة متوجِّهين إلى الشام، فبلغ ذَلِكَ المسلمين، فقالوا وهم عند نبي الله: ما يمنعنا أن نخرج إلى هَؤُلاَءِ الذين رغبوا بأنفسهم عَنَّا وظاهروا علينا عدوَّنا، ورغبوا عن هجرتنا فنقتلهم ونأخذ ما معهم. وقالت طائفة أخرى من المسلمين: سُبْحَانَ اللَّهِ! أتقتلون قوما عَلَى دينكم إن اجتووا دياركم وقراركم فتستحلُّون دماءهم وأموالهم، ورسول الله ساكت لا ينهى واحدا من الفريقين عَمَّا يقول، فأنزل الله تَعَالىَ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، فسمَّاهم منافقين، ثُمَّ قال: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: بكفرهم أضلَّهم،
(1) كذا في الأصل، وَلَعَلَّ الصواب: «فنقل».
(2) في اللسان: تقول: «اجْتَوَيْتُ البَلَدَ إِذا كرهتَ الْمُقامَ فيه وإِن كنت في نِعْمة. وفي حديث العُرَنِيِّينَ: فاجْتَوَوُا المدينةَ أَي أَصابهم الجَوَى، وهو المرض وداءُ الجَوْف إِذا تَطَاوَلَ، وذلك إِذا لم يوافقهم هواؤها واسْتَوْخَمُوها». ابن منظور: لسان العرب، 14/ 158.