فصل [الأمور المانعة من القطع بولاية الحقيقة للمحدثين منهم]
الجزء ١ · صفحة ٢٣٢<232> يجب له، فَإِمَّا أن يعلم هَذَا الشخص صالحا أو طالحا، أو مؤمنا أو كافرا، أو شقيًّا أو سعيدا، أو مشهودا له بالجنَّة أو النار فلا يجب هَذَا ولا يلزم، بل إذا علم أَنَّ هَذَا الشخص صالح أو طالح فَعَلَيْهِ ولايته أو البراءة منه عَلَى ما يجب من ذَلِكَ.
فَهَؤُلاَءِ المهاجرون والأنصار ليس علينا علم خاصِّهم من عامِّهم، وَإِنَّمَا علينا التصديق بِذَلِكَ في الجملة، حَتَّى يقوم لنا دَلِيل يقضي فيه بعموم أو خصوص فهنالك يجب تصديق الدَّلِيل الصحيح، وَإِلاَّ فالاقتصار عَلَى الإيمان به في الجملة أولى وأوجب وألزم وأصوب؛ لأَنَّهُ محتمل للمعنيين. وبالله التوفيق.
فاعرف الفرق بين علم الصفة، وعلم حكم الصفة، فعلم الصفة غير واجب، وعلم حكم الصفة إِنَّمَا يجب بعد حصول علم الصفة، ولولا أَنَّ هَذَا هكذا ما كان لوقوف الدين معنى، بل إِنَّمَا صار في وقوف الدين عن كُلِّ مجهول الحال سلامة، لسعة الجهل بأحوال الناس حَتَّى يُعلم منهم ما تجب ولايتهم ومعاداتهم عَلَيْهِ، وَالله أعلم.
باب: بيان البراءة من المحدثين من الصحابة بحكم الظاهر أو الحقيقة
وإذ قد أوردنا من ذكر الولاية والبراءة ومعانيهما، وطرق صِحَّة ما يوجبهما في حكم الظاهر والحقيقة، ومن أحكام العموم والخصوص ما يستشهد بتأصيله وصحَّته عَلَى معرفة وجه الحقِّ في هَذِهِ المعارضة، فلنأخذ في تأمُّل المحدثين من الصحابة وما صَحَّ فيهم ولهم، فيوجب لهم حكمه، فندع التطويل.
ونقول: المحدثون من الصحابة قد صَحَّ منهم إحداث يوجب البراءة عند من صحَّت معه، فلا يسعه الشكُّ في البراءة منهم، ولا يمنع هَذَا الحكم صِحَّة ولاية الحقيقة لهم (1)، فلو صَحَّت لهم لوجب القطع بولايتهم، وَلَحُكِمَ لهم وفيهم أَنَّهُم لم يخرجوا من الدنيا إِلاَّ تائبين منها، ولو لم نعلم لهم توبة في حكم الظاهر، ونحن فلم تَصِحَّ عندنا فيهم ولاية الحقيقة ندفع بها علم ما أوجبه حكم الظاهر، إذ لا سبيل إلى ولايتهم بالحقيقة إِلاَّ من ناطق الكِتَاب المبين، أو قول الرسول الأمين صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آله أجمعين.
فصل [مناقشة نصوص ولايتهم من الكتاب]
أَمَّا الكِتَاب فأخصُّ ما جاء فيهم ما تَقَدَّمَ ذكره في الآيات الْمُتَقَدِّمَة في صدر الكِتَاب، وَذَلِكَ يرجع جميعه إلى المهاجرين والأنصار في الجملة، فعلينا الإيمان به في الجملة، والدينونة بتصديقه عَلَى ما جاء، لا نعدو ذَلِكَ إلى تعيين أحد من الأُمَّة.
وَأَمَّا السُّنَّة فلا تواتُر عنها في أحد منهم عَلَى الانفراد لكونه من المهاجرين أو الأنصار إِلاَّ أخبار آحاد، لا التفات إِلَيْهَا ولا معمول [لعله: معوَّل] عَلَيْهَا إِلاَّ من هَذِهِ الجهة.
فإن قال قائل: … [كلمة غير مفهومة، رسمها: اللن] أَنَّهُ قد صَحَّ عنده بالتواتر شهادة [رسمها غير واضح: سهادة] أحد من المحدثين عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما ساغ (2) له ذَلِكَ عنده؛ لأَنَّ الشهرة المؤدية للخبر المتواتر إن لم تكن مُتَقَدِّمة الاستفاضة بين الأُمَّة ولا رادَّ لها بطلت، ولا يحتمل حدوثها.
فصل [الأمور المانعة من القطع بولاية الحقيقة للمحدثين منهم]
فإن قال قائل: إذا وجبت الولاية بالحقيقة للمهاجرين والأنصار فما المانع من القطع بولاية هَؤُلاَءِ المحدثين عَلَى الحقيقة إذ قد صَحَّ أَنَّهُم من المهاجرين والأنصار حَتَّى لا يَضُرَّهُم إحداثهم؟.
قلنا: يُمنع ذَلِكَ من وجوه:
- أحدها:
(1) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «قوله: ولا يمنع، لَعَلَّهُ: ويمنع، بحذف "لا" فليراجع نسخة صحيحة». وفي تصوري أَنَّ هَذَا التعليق في غير محله، إذ يفنِّده ما سيأتي في سياق العبارة.
(2) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «قوله: "ما ساغ … " الخ أقول: إِنَّهُ هو الجواب، وَعَلَيْهِ فلا إشكال. اهـ».