باب: الطرق التي تَصِحُّ منها موجبات الولاية والبراءة
الجزء ١ · صفحة ٢٢٥<225>هما معنيان متضادَّان من حيث إِنَّ الوقوف عن جهل، والولاية والبراءة عن علمٍ بخير أو شرٍّ.
ثُمَّ إِنَّ الولاية لا يستَحقُّها إِلاَّ من استكمل الطاعة، واجتمعت له وفيه خصال الخير كُلُّهَا، من أداء الفرائض كُلِّهَا، واجتناب المحارم كُلِّهَا، قال الله تَعَالىَ: ﴿أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر: 3].
وَأَمَّا البراءة فيستحقُّها الخارج من الدين ولو بخصلة واحدة؛ لأَنَّهُ بِذَلِكَ يستَحقُّ اسم ظالم، فاسق، في الحقيقة إذا مات عَلَى ذَلِكَ، خلافا للمرجئة القائلين بِأَنَّ أهل الكبائر من أهل القبلة يرجأ أمرهم إلى الله، أو يرجأ الله لهم. وقد قال الله تَعَالىَ خلافا لقولهم وتكذيبا لهم: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [سورة طه: 111]، أي من مات مصرًّا. فقليل الظلم وكثيره سواء (1)، وَالله أعلم.
باب: الطرق التي تَصِحُّ منها موجبات الولاية والبراءة
وَأَمَّا الطرق التي يَصِحُّ بها الموجب هَذَا الخير، وهو الموافقة بالطاعة في القول والعمل الموجب للولاية. وَهَذَا الشرُّ وهو المخالفة للطاعة في القول والعمل الموجب للبراءة. [كذا وردت هَذِهِ العبارة].
فَإِنَّ كُلَّ واحد منهما تَصِحُّ من أربع جهات:
فالأربعة التي يَصِحُّ منها هَذَا الخير الذي يستَحقُّ به الولاية:
- أحدها: الخبرة بصاحبه أَنَّهُ موافق في القول والعمل.
- والثانية: الشهرة، وهو أن يشتهر له بِذَلِكَ.
- والثالثة: شهادة العدلين اللذين تقوم بهما الولاية والبراءة.
فَهَذِهِ الثلاثة الوجوه مجمع عَلَيْهَا، ولا أعلم فيها اختلافا.
- والرابعة مختلف فيها: وهي الرفيعة، وهي شهادة العدل الواحد بما يوجب للمعيَّن الولاية، فقيل: ذَلِكَ حجَّة عَلَى المرفوع إِلَيْهِ الولاية له، وشبهوا ذَلِكَ بالشاهد في حقوق الله، كشهر رَمَضَان، وكطهارة الثياب، وحفظ الصلاة. وَقِيلَ: ليس ذَلِكَ حجَّة له ولا عَلَيْهِ، ولا تقوم الحجَّة إِلاَّ باثنين، كالشهادات في الحقوق. وَقِيلَ: هو مخيَّر بين الوقوف والقبول. وَقِيلَ: إن سُئل لزم قبول قوله، وإن لم يُسأل وَإِنَّمَا شهد ابتداء فيه التخيير بين قبول قوله وتركه، كالمعدِّل للشهود، وليس هَذَا التفريع من مسألتنا، ولكن لَمَّا جرَّ الرسم بذكر أنواع الولاية وطرق صحَّتها ذكرنا المجتمع عَلَيْهِ وغير المجتمع عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الأربعة الجهات التي يَصِحُّ منها الشرُّ الموجب للبراءة، وهو المخالفة في الدين في قول أو عمل:
- فأحدها: الإقرار من المعيَّن المحدِث لحدثه.
- والثانية: المشاهدة له.
- والثالثة: شهادة عدلين مِمَّن تقوم بهما الحجَّة في الولاية والبراءة.
- والرابعة: الشهرة التي لا دافع لها بِذَلِكَ.
فَهَذِهِ وجوه صِحَّة علم الخير والشرِّ الموجبين للولاية والبراءة.
ولم نذكر ألفاظ صِحَّة ذَلِكَ عَلَى اختلافها وكثرة أقسامها
(1) عجيب قوله: «فقليل الظلم وكثيره سواء» ولا شك أنَّ فيه درجات وأعظمها: الشرك كما في الآية: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].