كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

فصل [أنواع التخصيص، وتطبيقها على موضوع الصحابة]

الجزء ١ · صفحة ٢٣٩

<239> سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: 282]، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة البقرة: 284]، ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النمل: 23]، ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأحقاف: 25]، كُلُّهُ لفظ واحد لا يَدُلُّ بظاهر لفظه عَلَى تمييز العموم من الخصوص إِلاَّ بأدلَّة أخرى أفرِّق [كذا] بها بين ذَلِكَ، منها عقليٌّ ومنها شرعيٌّ.

فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون ظاهر الخطاب قاضيا بالعموم إِلاَّ ما خرج منه شَيْء، فَذَلِكَ قد تَبَيَّنَ خصوصه، وَإِلاَّ فمتروك عَلَى عمومه.

قلنا: ما كان دالاًّ بظاهره عَلَى العموم الحقيقي لا يجوز التماس تخصيصه، وَإِنَّمَا يجب تخصيص المحتمل للمعنيين، فكيف يكون اللفظ بذاته دالاًّ عَلَى العموم وهو يحتمل الخصوص، فَكَأَنَّهُ يقول: إِنَّهُ عامٌّ بالحقيقة عند من لم يعلم بخصوصه، خاصٌّ بالحقيقة عند من علم بخصوصه، فليس شعري كيف يستقيم اجتماع المتضادِّ فيه، فيكون عند قوم عامٌّ (1) بالحقيقة يشهدون بخطأ من خصَّه، وعند قوم خَاصٌّ سالِمِينَ بتخصيصه فمن ما يكون اعتقاده فيه في حينه قبل معرفة ما خصه يعتد عمومه عَلَى الحقيقة أم يقف؟ فإن قضى بعمومه ثُمَّ رجع إلى خصوصه فقد أبطل الحقيقة، والحقائق لا تَتَغَيَّرُ ولا تتبدَّل، وَلاَ بُدَّ في طلب التخصيص من هَذَا المعنى. وإن وقف فما فائدة الدَّلِيل بظاهر الخطاب إذا لم يكن دَالاًّ إِلاَّ بعد عدم التخصيص؟.

فصل [أنواع التخصيص، وتطبيقها على موضوع الصحابة]

ثُمَّ إِنَّ التخصيص يأتي عَلَى ضروب:

- منه ما يقترن بالخطاب، فَكَأَنَّهُ استُثني، كقوله سُبْحَانَهُ في قِصَّة لوط: ﴿فَاسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمُ أَحَدٌ اِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمُ﴾ [سورة هود: 81]، فَهَذَا استثناء امرأة من أهله.

- ومنه ما يأتي مقرونا به بدليل الخطاب منقطع كقوله تَعَالىَ في قِصَّة قوم عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ تَرَى إِلاَّ مَسَاكِنَهُمْ﴾ [سورة الأحقاف: 25]، فعلمنا أَنَّ المساكن لم تدمرها الريح، فَهَذَا من دَلِيل الخطاب. وقد خرج من ذَلِكَ السَّمَاوَات وَالأَرْض والعرش والكرسيُّ، وَذَلِكَ غير مذكور في اللفظ.

- وقد يأتي المخصِّص منقطعا متراخيا في غير موضع الذكر، كقوله عَزَّ وَجَلَّ في الأعراف: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأعراف: 156]، وقد خرج من هَذَا إبليس وأشياعه في آية أخرى (2)، يقول في سورة ص: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمُ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة ص: 85].

وإن كان المخصِّص يأتي في القرآن وَالسُّنَّة عَلَى هَذِهِ الضروب بِهَذِهِ الصفة فمن يبلغ حقيقة الخطاب من لفظه قبل الفحص والنظر؟ وما الواجب عَلَى الناظر المتأمِّل في حين نظره؟ فَهَذَا ما لا يخفى عَلَى ذوي البيان، وبالله التوفيق. وهو أحد الوجوه المانعة من الحكم بولاية الحقيقة لِكُلِّ واحد من المهاجرين والأنصار عَلَى الانفراد بذاته.

وعند بطلان وجوب ولاية الحقيقة

(1) كذا في الأصل، وَأَيْضًا في قوله: «وعند قوم خاصٌّ»، عَلَى اعتبار "كان" فعلا تَامًّا، يؤوَّل بمطلق الوجود. وخبر «يكون» هو: «يشهدون»، وعطف عَلَيْهِ «سالمين».

(2) بل المخصِّص متَّصل، وهو موجود في نفس الآية، فتمامها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَالذِينَ هُم بِئَايَاتِنَا يُومِنُونَ﴾.

٢٣ / ٥٣