كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

فصل سابع [قوم موسى قد يقصد به الصالحين أو الطالحين، ولا يشمل كلَّ واحد منهم على الانفراد]

الجزء ١ · صفحة ٢٣٧

<237> فحشروا إلى الشام، فأخبر سُبْحَانَهُ عن كفرهم، ولم يستثن منهم أحدا، وقد علم أهل التفسير أَنَّ منهم صفية بنت حيي بن أخطب زوجة رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد قال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَوْلآَ أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلآَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ [سورة الحشر: 3]، إلى قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة الحشر: 5]، وقد كانت صفية عَلَيْهَا السلام مِمَّن وقع عَلَيْهِ الجلاء، فانظر كيف جاء الخطاب بالكفر لهذا الفريق المعين المخصوص بالجلاء، وقد خرج من الكفر بعضهم، فلو كان مثلُ هَذَا الخطاب يقضي لكُلِّ واحد بذاته عَلَى الانفراد بما قضى عَلَى الجميع لوجبت براءة الحقيقة من جميع من أجلاه نبي الله وأخرجه من داره من أهل الكِتَاب، وكيف يقول الصادق قولا يَدُلُّ عَلَى ظاهر لفظه عَلَى استغراق الجنس واستيعاب الجمع وهو يعلم أَنَّهُ خلاف ما يعلمون من خطابه، حاش لله من ذَلِكَ، بل لَمَّا كان الخطاب في الجملة يحتمل الخصوص والعموم خاطبهم بما تعقل العرب من لغتها؛ لأَنَّ القرآن نزل بلغتهم، وفي لغتهم خطاب البعض بخطاب الكلِّ، وخطاب الكلِّ بخطاب البعض، ولن يجهل ذَلِكَ أهل الأدب والبصيرة الأنزاه.

يقول عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لأَنتُمُ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ﴾ [سورة الحشر: 13]، يعني بني قريظة، أتراهم كان كُلُّ مسلم في صدورهم أَشَدَّ رهبة عَلَى الانفراد، أم إِنَّمَا ذَلِكَ بجملتهم، وَهَذَا قريب من ذَلِكَ البعض، وَالله أعلم

فصل سادس [نصَّ الله على إغراق جميع قوم نوح مع أنَّ فيهم من لم يغرق]

ومثل ذَلِكَ حيث يقول جَلَّت أسماؤه: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [سورة الذاريات: 46]، وقوله: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمُ أَجْمَعِينَ﴾ (1) [سورة الزخرف: 55]، فسماهم فاسقين، وأخبر أَنَّهُ أغرقهم أجمعين، ومعلوم أَنَّهُم آمن منهم طائفة، وهم الذين ركبوا معه السفينة، وقد قال الله تَعَالىَ: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ اَنَّهُ لَنْ يُّومِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدَ ـ امَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة هود: 36]، فصحَّ أَنَّ قوم نوح آمن منهم طائفة.

وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنَ ـ امَنَ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [سورة هود: 40]، وَإِنَّمَا أراد بقوله إِنَّهُ أغرقهم أجمعين يعني الذين لم يؤمنوا، وهم أكثر قومه لا جميعهم.

فإن قال قائل: هَؤُلاَءِ قوم غير مخصوصين، وأمَّة لا يحصون ليسوا سواءهم والمخصوصون بخطاب من بين الأُمَّة.

قلنا: خصوص الطائفة المعيَّنين من الطوائف من الأُمَّة الواحدة، وخصوص الأُمَّة الواحدة من الأمم سواء، لا فرق في ذَلِكَ بالكثرة وَالقِلَّة. وَإِنَّمَا أردنا أن نُبَيِّنَ أَنَّ الخطاب إذا وقع عَلَى معنى الجملة كان فيه معيَّنين أو مبهمين لا يقضي عَلَى الانفراد بما يقضي عَلَى الجملة؛ لأَنَّ نفس الخطاب لا يَدُلُّ عَلَى العموم ولا عَلَى الخصوص بظاهر لفظه، بل بإشارات معلومة، وَأَدِلَّة مفهومة، وإن لم تقترن بالخطاب عَلَى الاتصال، فهي لاحقة به عَلَى الانفصال، قربت أَو بعدت، فافهم ذَلِكَ وأتقنه. وسيأتي زيادة بيانه إن شاء الله.

فصل سابع [قوم موسى قد يقصد به الصالحين أو الطالحين، ولا يشمل كلَّ واحد منهم على الانفراد]

وشكل ذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾ [سورة الأعراف: 148]، فأخبر عن قومه جملة، وَإِنَّمَا اتَّخَذَه بعضهم، بدليل قَوله تَعَالىَ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا … ﴾ الآية [سورة الأعراف: 155]، فَهَؤُلاَءِ لم يكونوا مِمَّن اتَّخَذَ العجل، وهم من قومه، فقضى عَلَى الجميع

(1) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «قوله: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمُ أَجْمَعِينَ﴾ استدلال الْمُصَنِّف بِهَذِهِ الآية سهو، إذ كلمة أجمعين هاهنا وقعت في محلها. وَأَيْضًا ليس هَذَا الكلام في قوم نوح فتأمل تفسير شيخنا حفظه الله». ونتساءل: هل لشيخ الثميني - وهو أبو زكرياء الأفضلي - كِتَاب في التفسير؟ أم أَنَّ التعليق ليس للثميني؟ فليبحث.

٢١ / ٥٣