كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

فصل في معارضة [لا تجب الولاية والبراءة إلا بعد العلم بحال الشخص]

الجزء ١ · صفحة ٢٣١

<231>لَعَلَّهُ ثبت بالرأي، والرأي لا يجوز اتِّخَاذه دينا، ولا تجوز تخطئة من خالفه معارضة.

فإن قال: هَذَا ينكس عليك في مواضع كثيرة، إذ جعلتموه قاعدة في المناظرات، وإذا كان رأيا لزمكم ألاَّ تجعلوه حجَّة. قلنا: هَذَا يكون قاعدة وأصلا ثابتا حيث يجب التعبد وتقع الكلفة، وَأَمَّا ما لا كلفة علينا فيه إِلاَّ التصديق فحسب فلا يلزم ذَلِكَ، فَإِنَّا قد وجدنا ما يدخله العموم والخصوص من كِتَاب الله عَلَى ضربين:

- ضرب تجب علينا فيه كلفة وتعبد، وهو الأمر والنهي، والخبر الخارج مخرج الأمر والنهي، كقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [سورة التوبة: 5]، فَهَذَا أمر يجب علينا استعمال عمومه حَتَّى يجيء التخصيص لنكون عَلَى يقين من القيام بالأمر، وكقوله: ﴿لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [سورة المائدة: 95]، فعلينا ترك جميع الصيد لنكون عَلَى يقين من ترك المحرَّم. وكقوله: ﴿وَالْوَالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: 233]، فعلينا امتثال ذَلِكَ في الذكر والأنثى؛ لأَنَّ هَذَا خبر خرج مخرج الأمر والنهي (1)، وَهَذَا هو الموضع الذي يجب فيه الحكم بالعموم حَتَّى يَصِحَّ التخصيص.

- والضرب الثاني: لا كلفة علينا فيه إِلاَّ التصديق به فحسب، فَهَذَا ليس علينا فيه تفسير مجمل، ولا إجمال مفسَّر، ولا إطلاق مقيَّد، ولا تقييد مطلق، وَإِنَّمَا علينا الإتيان به والتصديق به مجملا ومفسَّرا. وَهَذَا كقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ إلى قوله: ﴿مَّاكُولٍ﴾ [سورة الفيل]، فَهَذَا ومثله ليس علينا إِلاَّ التصديق به في الجملة دون التفسير، ليس علينا أن نعرف الفيل ما هو، والأبابيل، والعصف المأكول. ولا أعلم أَنَّهُ يأتي عَلَى العبد حال يلزمه البحث عن مثل هَذَا إلى الممات. وقد خرج كثير من معاني القرآن عن لفظه. أَمَا قيل: إِنَّ التين والزيتون مسجدان بالشام، وَقِيلَ: جبلان ينبتان التين والزيتون، فانظر كيف جاء التفسير خلاف ما نعقله باللفظ، فَهَذَا ما لا يسع لنا تكلُّف تفسيره، إِلاَّ أن يأتي شَيْء بتفسير اجتمع عَلَيْهِ الفقهاء، فالإجماع حجَّة، وإذا وقع الاختلاف منهم في شَيْء لم يكن ذَلِكَ تخطئة منهم لبعضهم بَعْضًا، وَإِنَّمَا تقع التخطئة فيما لا يسوغ فيه الرأي والاجتهاد.

وَهَذَا الضرب من الولاية والبراءة إِنَّمَا هو إخبار عن الغيوب التي لا يعلمها إِلاَّ الله سُبْحَانَهُ، أو من أعلمه الله إِيَّاهُ، فكيف تسعنا الشهادة قطعا لعموم هَذِهِ الآيات الواردة بذكر المهاجرين والأنصار مع احتمال الخصوص فيها، بل مع ظهور تخصيصها بآيات أُخر سنذكرها بعد هَذَا إن شاء الله.

فصل في معارضة [لا تجب الولاية والبراءة إلا بعد العلم بحال الشخص]

فإن قال: أليس هاهنا تعبُّد بولاية الحقيقة وبراءة في هَذِهِ الآيات وما أشبهها من كفر وإيمان، فكيف لا ينبغي لنا تعرفه والفحص عن معانيها؟

قلنا: الولاية والبراءة إِنَّمَا تجب إحداهما بعد حصول علم آخر غير واجب تعلُّمه، وهو علم حال الشخص بخير أو شرٍّ، وَهَذَا لا يجب تعلُّمه، وَإِنَّمَا عَلَى الْمُكَلَّف إذا علم هَذَا الحال أن يعلم ما

(1) يبدو أَنَّ الاستشهاد بِهَذِهِ الآية غير مناسب؛ لأَنَّ تمام الآية: ﴿لِمَنَ اَرَادَ أَنْ يُّتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. والأنسب بالمقام نحوُ قَوله تَعَالىَ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [سورة البقرة: 228].

١٥ / ٥٣