كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

باب: فيمن هاجر ونصر هل يحكم له عَلَى الانفراد بِذَلِكَ عَلَى الحقيقة؟

الجزء ١ · صفحة ٢٤٠

<240> فيهم عَلَى الانفراد ساغت البراءة مِمَّن صَحَّ عَلَيْهِ في الحكم الظاهر ما يخرجه، ويوجب البراءة منه.

عَلَى أَنَّ من كان من هَؤُلاَءِ وَلِيًّا لله في الباطن فقد دخل في ولايتنا لجميع أولياء الله، ولم تكن البراءة منه بحكم الظاهر [إِلاَّ] لأَنَّهَا وقعت بأمر الله، بقوله: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ … ﴾ الآية [سورة المجادلة: 22]، والمخالف لدين الله في مسألة واحدة محادٌّ لله ورسوله - عليه السلام -، لا شَكَّ في ذَلِكَ (1)، فيبقى علينا الدَّلِيل عَلَى صحَّة خلاف من برئ منه منهم [كذا] لدين الله عَلَى من لم يوافق عَلَى مخالفتهم في شَيْء من دين الله. وَأَمَّا من وافَقَنَا عَلَى خلاف أحد من الصحابة لدين الله، وَإِنَّمَا ادَّعَى الحكم بالتوبة في السريرة للزوم ولايته بالحقيقة، بدخوله في المهاجرين والأنصار فقد أوردنا من الأَدِلَّة عَلَى بطلان ذَلِكَ ما يكفي المسترشد، ويشفي المجتهد المقتصد، ولله الحمد والمنَّة.

باب: فيمن هاجر ونصر هل يحكم له عَلَى الانفراد بِذَلِكَ عَلَى الحقيقة؟

وَأَمَّا النظر في المحدثين وغيرهم من الصحابة هل يحكم لِكُلِّ واحد منهم أَنَّهُ من المهاجرين والأنصار عَلَى الحقيقة أم لا؟ فَذَلِكَ لأَنَّ المهاجرين والأنصار لهم حالان فلا مخرج عن أحدهما، وهما: الحقيقة وحكم الظاهر، فإن كان الخطاب توجَّه إلى المهاجرين والأنصار الذين هم عند الله عَلَى الحقيقة كَذَلِكَ، فَذَلِكَ علم غيب لا يطلع عَلَيْهِ أحد إِلاَّ الله تَعَالىَ أو من أطلعه الله عَلَيْهِ إذ ذاك مُختَصٌّ بالإخلاص والثبوت إلى الممات، هَذَا إن كان لفضيلة (2) الهجرة والنصرة، فَإِنَّ الله لا يصف أحدا بفعل إِلاَّ وقد نبَّه عن ذمِّه عَلَيْهِ إن كان قبيحا، أو مدحه به إن كان حسنا، ولا يَصِحُّ أن يذكره بفعل قد وصفه به وهو يريد شخصه خَاصَّةً فَإِنَّ ذَلِكَ يكفي فيه اسمه دون فعله؛ فصفته بالفعل دَلِيل عَلَى مدحه به أو ذمِّه عَلَيْهِ، ولا يمدح بفعل أو يذمُّ به عَلَى الحقيقة إِلاَّ وهو قد أثنى به عَلَى الوجه الذي يستَحقُّ المدح به أو الذم عَلَيْهِ، وإذا كان إِنَّمَا مدح الله المهاجرين والأنصار لأجل هجرتهم عند نبيه محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ونصرتهم له فمحال أن يستَحقَّ أحد منهم ذَلِكَ عَلَى غير الإخلاص فيه والاستقامة عَلَى الدين والثبوت عَلَيْهِ، وإذا صَحَّ أَنَّ الرجوع إلى هَذَا أو المعوَّل عَلَيْهِ امتنع ذَلِكَ في حقنا فَإِنَّا لا نعلم المخلص في ذَلِكَ عَلَى الحقيقة لأَنَّهُ غيب لا نصل إِلَيْهِ، ولا نعلم أَنَّ رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أظهر إخلاص أحد بل أطلعه عَلَى نفاق بعض فتَرْكُهُ لباقيهم لا دَلِيل فيه عَلَى إخلاصهم، والإخلاص معنى باطن لا سبيل للخلق إلى علمه إِلاَّ ما أعلمه الله إِيَّاهُ، فمن ذا الذي يشهد بالإخلاص في السريرة لأحد عَلَى الانفراد من المهاجرين والأنصار،

(1) بل يجوز عقلا أن يخالف الحقَّ والصواب وهو غير محادٍّ لله ورسوله؛ لأنه سعى واجتهد في طلب الحقِّ فلم يوصله اجتهاده. يبقى علينا تحديد الضابط بين مسائل الدين ومسائل الاجتهاد.

(2) قال الثميني في الهامش: «قوله: "إن كان لفضيلة" قال شيخنا: لعله: لا لفضيلة. فسقطت منه كلمة "لا". فليراجع نسخة صحيحة. فتأمَّل».

٢٤ / ٥٣