كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

فصل [اختلاف العلماء في دلالة العامِّ قطعا أو ظنًّا]

الجزء ١ · صفحة ٢٣٠

<230> لَمَّا أغرق الله أهل الأَرض، فلم يبق منهم إِلاَّ أهل سفينة نوح (1)، وهم جميعا معه في دين الله.

فصل منه [في تخصيص لفظ «الأرض»]

- وقال تَعَالىَ في تخصيص الأرض: ﴿اَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الاَرْضِ﴾ [سورة المائدة: 33]، يعني أرض الإِسلاَم.

- وقال: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الاَرْضِ﴾ [سورة الإسراء: 76]، أراد مَكَّة خَاصَّةً.

- وقال: ﴿أَلَمْ تَكُنَ اَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [سورة النساء: 97]، يعني: المدينة خَاصَّةً.

- وقال: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الاَرْضَ﴾ [سورة الزمر: 74]، يعني أرض الجَنَّة خَاصَّةً.

- وقال في قِصَّة نبيِّه سليمان - عليه السلام -: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الاَرْضِ التِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [سورة الأنبياء: 81]، أراد الأردن وفلسطين، فَهَذَا ونحوه مِمَّا جاء في القرآن بذكر العموم وهو يراد به الخصوص.

- ومنه قَوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [سورة التوبة: 5]، فالأمر بالقتل للمشركين عامٌّ يراد به الخصوص. فإن قيل: الأمر للمشركين عموم وَإِنَّمَا الخصوص ما خرج من هَذَا العموم وهم أهل الكِتَاب لِقَولِهِ: ﴿قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَّدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [سورة التوبة: 29]، قيل له: فخروج بعض العموم إلى الخصوص أوجب تخصيص العموم للآية اقتضى بعض ما اشتمل عَلَيْهِ اللفظ، إذ لا معنى للخصوص إِلاَّ خروج بعض ما دخل تحت اللفظ، فافهم ذَلِكَ.

فصل

مهما شَكَّ المعارض في تخصيصه (2) عن عموم هَذِهِ الآيات التي دللنا بها فلا يمكنه إنكار خصوص بعض عموم القرآن أصلا، فقد ثبت بهذا الأصل أَنَّ القرآن عَلَى ضربين: عموم يراد به العموم، وعموم يراد به الخصوص، فالواجب الآن طلب الدَّلِيل المفرِّق بين هذين المعنيين لنستشهد به في حكم مسائلنا.

فصل [اختلاف العلماء في دلالة العامِّ قطعا أو ظنًّا]

فأقول: إِنَّ الدَّلِيل بنفسه عَلَى العموم، وإن استعمل فَإِنَّهُ ليس بدين؛ لأَنَّ هَذِهِ مسألة خلافية تحزَّب الناس فيها عَلَى ثلاثة فرق:

- ففريق ذهبوا إلى أَنَّهُ عَلَى العموم حَتَّى يَصِحَّ التخصيص، حكما للفظ.

- وفريق ذهبوا إلى الخصوص لأحد ما يقع عَلَيْهِ اللفظ دون ما عداه حكما باليقين حَتَّى يقوم دَلِيله، فَعَلَى مذهب أهل التخصيص حَتَّى يَصِحَّ العموم. ومذهب أهل الوقوف بطلان أحد ركني المسألة التي وقعت المعارضة فيها، فَإِنَّهُ إذا صَحَّ أَنَّ اليقين في المهاجرين والأنصار أقل ما يقع عَلَيْهِ جمعٌ، وما عداه محتمل غير مقطوع به، فبطل الحكم لجميع المهاجرين والأنصار لعدم الإجماع عَلَى العموم ووجوب الخصوص. وَكَذَلِكَ عَلَى مذهب أهل الوقوف في العموم يبطل ذَلِكَ الركن أَيضًا، وإذا بطل ذَلِكَ الركن من هَذِهِ الجهة عَلَى هذين القولين ساغت البراءة من المحدث إذا خرج من دار الدنيا مصرًّا عَلَى حدث مكفِّر في حكم الظاهر، كان صحابيًّا أو غير صحابيٍّ، مهاجرا أو أنصاريًّا أو غير ذَلِكَ. فَهَذَا أحد الوجوه التي ساغت به البراءة، ولم يبق إِلاَّ قول من يقول بالعموم حَتَّى يَصِحَّ التخصيص، فنقول:

إِنَّ هَذَا الحكم في لفظ العموم لا نعلمه ثبت بِالكِتَابِ ولا بِالسُّنَّةِ ولا بالإجماع و

(1) في الأصل: «فلم يبق منهم سفينة نوح أهل»، والتصحيح من تعليق الشيخ الثميني في الحاشية.

(2) قال الثميني في الحاشية: «أي تخصيص المخصص، ولو قال: تخصيص [كذا، ورسم الكلمة غير واضح] لكان أظهر».

١٤ / ٥٣