[الفرق بين العموم في الأخبار والعموم في الأمر والنهي]
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨<238> وأراد البعض. وأخص من ذَلِكَ قوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة الأعراف: 152]، فعمَّ بهذا الخطاب الذين اتَّخَذُوا العجل، وقضى عَلَيْهِم بالغضب والذلة، والمراد بِذَلِكَ من لم يتب منهم، وَهَذَا خاصٌّ في فريق واحد من أُمَّة واحدة مُعَيَّنين، فلم يكن خصوصه لقوم مُعَيَّنين إيجاب العموم فيهم، بل قد صَحَّ الخصوص في هَؤُلاَءِ المخصوصين (1)؛ الدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمُ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمُ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة البقرة: 54]، فانظر كيف جعل لهم التوبة بعد أن تواعدهم [كذا] بالغضب، فعلمنا أَنَّهُ إِنَّمَا أراد بالغضب من لم يتب.
فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون الغضب الذي ذكره الله تَعَالىَ قتلهم أنفسهم، والذلَّة هي الجزية، وَهَذَان جميعا في الدنيا، وهو سُبْحَانَهُ قد قال: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؟
قلنا: أَمَّا الغضب من الله ففعل يوجب ناره وعذابه، ويستحيل أن يكون الغضب توبة؛ لأَنَّ التوبة رحمة، فكيف يكون الغضب رحمة؟. ولو سلَّمنا أَنَّهُ قَتْلُهُم أنفسَهم ما انكسر علينا؛ لأَنَّ القتل نال بعضهم، وكان توبة للمقتول والحي، فصحَّ أَنَّ الغضب نال من (2) اتَّخَذَ العجل، والخطاب أوجبه لهم جميعا. والذلة وإن كانت الجزية فالجزية إِنَّمَا نالت من لم يؤمن، وَإِنَّمَا نالت أَيضًا غير الذين اتَّخَذُوا العجل بأعيانهم، فَدَلَّ عَلَى تخصيص هَذَا الفريق المعيَّنين بلفظ مطلق في الجميع، وخطاب ظاهر العموم، ومع ذَلِكَ فقد صَحَّ أَنَّهُ يراد به الخصوص، وَصَحَّ بهذا أَنَّ خطاب الجملة كان في مُعَيَّنين أو مبهمين غير قاض عَلَى الانفراد لأحد بذاته فيما قضى به عَلَى الجميع.
فصل ثامن [وصف الله أصحاب القرية بالإسراف، وفيهم رجل مؤمن]
ومن ذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً اَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [سورة يس: 13]، إلى قوله: ﴿بَلَ اَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ [سورة يس: 19]، وقد قال في آية أخرى: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمُ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [سورة غافر: 43]، فخاطبهم عَلَى الجملة، وقد خرج منهم من لم يستَحقَّ صفتهم بقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَجَآءَ مِنَ اَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [سورة يس: 20]، إلى قوله: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾، يقال: وجبت له الجَنَّة فقال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [سورة يس: 26 - 27]، وَالله تَعَالىَ صادق. فلو كان لفظ العموم في الجملة إذا ورد كان دالاًّ بنفسه محكوما بعمومه في كُلِّ موضع عَلَى الحقيقة ما كان سُبْحَانَهُ يخاطبهم بما يَتَحَقَّقون عنه في العموم وهو يريد الخصوص، حاش لله من ذَلِكَ.
[الفرق بين العموم في الأخبار والعموم في الأمر والنهي]
إِنَّمَا وجب إجراء الخطاب عَلَى العموم حيث يقع الأمر والنهي، فيجب استيعاب المذكور ليقع اليقين بالخروج من الأمر، فَإِنَّ ما دون العموم محتمل لتعلُّق الأمر به فوجب الاستيعاب لهذا. وَأَمَّا مخبرات الله تَعَالىَ فبخلاف هَذَا، فَإِنَّ الله تَعَالىَ ما كلَّفنا علم غوامضها، ومن غوامضها علم الخصوص والعموم فيها، فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللفظ بنفسه دون الإشارات والأمارات الدَّالَّة عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ قوله
(1) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «قوله: "بل قد صَحَّ … " أي دليل وقوع التوبة، قوله: ﴿فَتَابَ … ﴾ الخ».
(2) علَّق الثميني عَلَى هَذِهِ العبارة في الحاشية قائلا: «لَعَلَّهُ: بعض من».