كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

فصل منه [في تخصيص لفظ «الناس»]

الجزء ١ · صفحة ٢٢٩

<229> وهو من المحكم الذي لا تنازُع فيه. وَالله أعلم.

باب: معاني العموم الذي يراد به الخصوص

وَأَمَّا العموم الذي يراد به الخصوص:

- فقوله جَلَّ ذكره في قِصَّة ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [سورة الأحقاف: 25].

- وقوله في قِصَّة بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النمل: 23]، فريح عاد لم تدمر السماء ولا الملائكة ولا الكرسيَّ ولا العرش، وبلقيس لم تؤت ملك سليمان وما تحته.

- وَكَذَلِكَ قوله حكاية عن إبراهيم النبيِّ - عليه السلام -: ﴿قُلِ اِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآيْ وَمَمَاتِيَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام: 162 - 163]، وقال سُبحَانَهُ حكاية عن نبيه موسى - عليه السلام -: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُومِنِينَ﴾ [سورة الأعراف: 143]، ولم يُرِدْ كُلَّ المسلمين والمؤمنين؛ لأَنَّ الأنبياء قبلهم كانوا مسلمين مؤمنين، وَإِنَّمَا أراد مؤمني زمانه ومسلمي زمانه؛ كقوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: 33].

- وقال في قِصَّة بني إسرائيل: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمُ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأعراف: 140].

- وقال في موضع من المائدة: ﴿اِذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمُ إِذْ جَعَلَ فِيكُمُ أَنبِئَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَءَاتَاكُم مَّا لَمْ يُوتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة المائدة: 20]، لم يُرد كُلَّ العالمين، لأَنَّ بني إسرائيل ليسوا جميعا أفضل من الأنبياء ولا من الملائكة، وَإِنَّمَا أراد: عالمي زمانهم.

- وقال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتْبَعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [سورة الشعراء: 224]، ولم يُرد كُلَّ الشعراء لقول النبيِّ - عليه السلام -: «وَإِنَّ من الشعر لحكمة». وكم قد مضى في سالف الدهر مِمَّن قال الشعر من الأبرار والفجار.

- وقال سُبْحَانَهُ: ﴿الذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمُ إِيمَانًا﴾ [سورة آل عمران: 173]، لم يرد بالقائل جميع الناس، وَإِنَّمَا أراد عَلَى ما جاء في التفسير نعيم بن مسعود. وَكَذَلِكَ قوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ لم يرد جميع الناس، وَإِنَّمَا أراد في هَذَا الموضع أبا سفيان بن حرب، وَذَلِكَ لَمَّا جَبُنَ عن الموافاة إلى موعد بدر الصغرى.

- وقال تَعَالىَ: ﴿وَالْمَلآَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الاَرْضِ﴾ [سورة الشورى: 5]، لم يرد جميع من في الأَرض، وَإِنَّمَا أراد الذين ذكرهم الله في الآية الأخرى، وهو قوله: ﴿الذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُومِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [سورة غافر: 7]، ونظيرها قول الله تَعَالىَ في سورة الحديد: ﴿هُوَ الذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [سورة الحديد: 9]، وقال في سورة الطلاق: ﴿لِّيُخْرِجَ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [سورة الطلاق: 11]، فبيَّن الخصوص في هَذِهِ الآيات.

فصل منه [في تخصيص لفظ «الناس»]

ومن ذَلِكَ في تخصيص الناس:

- قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ءَامِنُوا كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ﴾ [سورة البقرة: 13]، أراد أحبار أهل الكِتَاب من اليهود.

- وقال: ﴿اَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [سورة النساء: 54]، قالوا: أراد بالناس هاهنا النَّبِي صلَّى الله عليه وسلَّم خَاصَّةً.

- وقال: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [سورة البقرة: 143]، أراد النبيين خَاصَّةً (1).

- وقال: ﴿اُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلآَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة البقرة: 161]، أراد بالناس هاهنا المؤمنين خَاصَّةً.

- وقال في قِصَّة عيسى - عليه السلام -: ﴿ءَآنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [سورة المائدة: 116]، أراد بني إسرائيل خَاصَّةً.

- وقال في سورة يوسف: ﴿لَّعَلِّيَ أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ [سورة يوسف: 46]، وقال: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ [سورة يوسف: 49]، وهو يعني أهل مصر خَاصَّةً.

- وقال: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدةً﴾ [سورة البقرة: 213]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلآَّ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [سورة يونس: 19]، فالناس هاهنا أهل سفينة نوح خَاصَّةً

(1) يبدو أَنَّ هَذَا تحكُّما في الآية بغير دَلِيل، وَإِلاَّ فَإِنَّهُ يمكن أن يُفهم من الآية معنى أعم؛ وَلِذَلِكَ نجد تعليقا للشيخ الثميني (الناسخ) في الحاشية: «فيه أَنَّ الناس هنا الأمم لا الأنبياء».

١٣ / ٥٣