ما جاء في جواز الصلح للحاكم
الجزء ١ · صفحة ٧٢4- قوله: «إلا صلحاً أحلَّ حراماً أو حرَّم حلالاً»: فالأول كالذي يصالحُ على خمر أو نحوه، أو من له دراهم فصالح على أكثر منها، وذلك كما إذا كان لرجل على آخر دين وطالبه فيه فصالحه على أن يؤخر عنه ويزيده على دراهمه، فهذا صلح أحلَّ حراماً وهو باطل لأنه ربا، وكذلك من منه المباح من الأرض فصُلح على شيءٍ يدفع إليه فإن ذلك عليه حرام.
وأما الصلح الذي حرَّم حلالاً فكالذي يصالح امرأته على أن لا يطأ ضرَّتها أو أمته، وكالصلح الذي يمنع من التصرف في المصالح.
قال أبو زكريا: الصلح جائز على وجهين:
أحدهما رجل وقع على مال رجل ظلماً وعدواناً، فإن الصلحاء يقولون في ذلك للمظلوم: ائذن لنا أن ندفع عنك ظلم هذا الظالم بما وجدنا دفعه من مالك، وهذا النوع جائز بالنظر إلى الصلحاء والمظلوم دون الظالم، فإنه إنما يأكل سُحتاً، وليس هو في الحقيقة من الصلح وإنما هو من التقية.
قال والوجه الثاني: رجلان تخاصما في شيء، فلم يُدْرَ المحقُّ منهما من المبطل، فللصلحاء أن يصلحوا بينهما بجهد رأيهم.
5- قوله: «وهو أحرز للحاكم»: أي أحصن وأمنع، والمراد بالحاكم القاضي، والحديث يدل أن للحاكم أن يصلح بين الخصوم ويأمرهم بالصلح ويدعوهم إليه، ولو لم يطلبوا ذلك، ولكن لا يجبرهم عليه، وقيل: ليس له أن يأمرهم ويدعوهم إليه وحمله أبو سعيد على معنى الجبر.
وقيل أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل رجلاً على القضاء، فاختصم إليه رجلان في دينار فأطلق من كم قميصه ديناراً فدفعه إليهما، فبلغ ذلك عمر فكتب إليه أن اعتزل قضاءنا، وحملوه على تقوية القضاة على إنفاذ الحق بين الناس.
وذكر محمد بن سيرين أن شُريحاً ارتفع إليه رجل استودع امرأة مائة درهم وديعة فوقع حريق قريب منها فحولتها إلى رجل فضاعت، فسأل شريح الرجل عن المرأة هل يتهمها في شيء؟ فقال: لا، فقال: إن شئتَ رضيتَ منها بخمسين درهماً
فقال ابن سيرين: فما رأيته أمر بصلح غير ذلك اليوم والله أعلم.