شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في الإمامة والدفاع ومن يصلح لها

الجزء ٢٨ · صفحة ٢٩٨

بِإِفْرِيقِيَّةَ خَرَجُوا بِالْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ وَتَحَصَّنُوا فِي الْجَبَلِ الْعَظِيمِ الَّذِي يُسَمَّى الْيَوْمَ جَبَلَ طَارِقٍ وَهُوَ فِي أَلْفٍ وَسِتِّ مِائَةِ رَجُلٍ فَطَمِعَتْ فِيهِمْ الرُّومُ فَاقْتَتَلُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَكَانَ عَلَى الرُّومِ " تَدْمِيرُ " اسْتَخْلَفَهُ " لُذْرِيقُ " مَلِكُ الرُّومِ ، وَكَتَبَ لِ لُذْرِيقَ يُعْلِمُهُ بِأَنَّ قَوْمًا لَا نَدْرِي أَمِنْ الْأَرْضِ هُمْ أَمْ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ قَدْ وَصَلُوا إلَى بِلَادِنَا ، وَقَدْ لَقِيتُهُمْ فَانْهَضْ إلَيَّ بِنَفْسِكَ ، فَأَتَاهُ " لُذْرِيقُ " فِي تِسْعِينَ أَلْفِ عِنَانٍ ، وَلَقِيَهُمْ طَارِقٌ وَعَلَى خَيْلِهِ مُغِيثٌ الرُّومِيُّ مَوْلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَاقْتَتَلُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَشَدَّ قِتَالٍ ، فَرَأَى طَارِقٌ مَا النَّاسُ فِيهِ مِنْ الشِّدَّةِ فَقَامَ يَحُضُّهُمْ عَلَى الصَّبْرِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِي الشَّهَادَةِ ، وَبَسَطَ فِي أَمْوَالِهِمْ ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ الْمَفَرُّ ، الْبَحْرُ مِنْ وَرَائِكُمْ وَالْعَدُوُّ أَمَامَكُمْ ، فَلَيْسَ إلَّا الصَّبْرُ مِنْكُمْ ، وَالنَّصْرُ مِنْ رَبِّكُمْ ، وَأَنَا فَاعِلٌ شَيْئًا فَافْعَلُوا كَفِعْلِي ، وَاَللَّهِ لَأَقْصِدَنَّ طَاغِيَتَهُمْ فَإِمَّا أَنْ أَقْتُلَهُ أَوْ أُقْتَلَ دُونَهُ ، فَاسْتَوْثَقَ طَارِقٌ مِنْ حِلْيَةِ " لُذْرِيقَ " وَعَلَامَتِهِ وَخَيْمَتِهِ ثُمَّ حَمَلَ مَعَ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَقَتَلَ اللَّهُ " لُذْرِيقَ " بَعْدَ قَتْلٍ ذَرِيعٍ فِي الْعَدُوِّ ، وَحَمَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَمْ يُقْتَلْ كَبِيرُ شَيْءٍ وَانْهَزَمَتْ الرُّومُ فَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ؛ فَهَذَا مَا يَأْتِي عَلَى الْمُلُوكِ مِنْ لُزُومِهِمْ مَكَانًا وَاحِدًا ، وَأَخَذَ طَارِقٌ رَأْسَ " لُذْرِيقَ " فَبَعَثَ بِهِ إلَى مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ ، وَبَعَثَ بِهِ مُوسَى إلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَسَارَ مُغِيثٌ إلَى قُرْطُبَةَ وَسَارَ طَارِقٌ إلَى طُلَيْطِلَة ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ هِمَّةٌ غَيْرُ الْمَائِدَةِ الَّتِي يَذْكُرُ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهَا مَائِدَةُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد ، فَدَفَعَ إلَيْهِ ابْنُ أُخْتِ " لُذْرِيقَ " الْمَائِدَةَ وَالتَّاجَ

١٣٬٧٩٨ / ١٧٬٤٣٨