شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في الإمامة والدفاع ومن يصلح لها

الجزء ٢٨ · صفحة ٣٠٩

الْجَمْعَانِ وَتَقَارَبَ الزَّحْفَانِ وَاكْتَحَلَتْ الْأَحْدَاقُ بِالْأَحْدَاقِ ، بَرَزَ مِنْ الصَّفِّ إلَى الْوَسَطِ يَحْمِلُ وَيَكُرُّ وَيُنَادِي : هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ ، وَالثَّانِي إذَا تَنَاشَبَ الْقَوْمُ وَصَارُوا جَرْحَى مُخْتَلِطِينَ وَلَمْ يَرَ وَاحِدٌ مِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ يَكُونُ رَابِطَ الْجَأْشِ سَاكِنَ الْقَلْبِ حَاضِرَ اللُّبِّ ، لَمْ يُخَامِرْهُ الدَّهْشُ وَلَا خَالَطَتْهُ الْحَيْرَةُ ، فَيَتَقَلَّبُ تَقَلُّبَ الْقَائِمِ عَلَى نَفْسِهِ الْمَالِكِ لِأَمْرِهِ ؛ وَالثَّالِثُ إذَا انْهَزَمَ أَصْحَابُهُ يَلْزَمُ السَّاقَةَ وَيَضْرِبُ فِي وُجُوهِ الْعَدُوِّ وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ وَيُرَجِّي الضُّعَفَاءَ وَيُقَوِّي قُلُوبَهُمْ وَيَمُدُّهُمْ بِالْكَلَامِ الْجَمِيلِ وَيُشَجِّعُ نُفُوسَهُمْ مِمَّنْ وَقَعَ أَمَامَهُ ، وَمَنْ وَقَفَ حَمْلُهُ ، وَمَنْ وَقَعَ عَنْ فَرَسِهِ كُشِفَ عَنْهُ حَتَّى يَيْأَسَ الْعَدُوُّ مِنْهُ ، وَهَذَا أَحْمَدُهُمْ فِي الشَّجَاعَةِ .

وَقَالَ : لِكُلِّ أَحَدٍ يَوْمَانِ لَا بُدَّ مِنْهُمَا ، أَحَدُهُمَا : لَا يُعَجَّلُ عَنْهُ ، وَالثَّانِي : لَا يُقَصَّرُ عَنْهُ ، فَمَا لِلْجُبْنِ وَالْفِرَارِ ؛ وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَقِيَ عَمْرَو بْنَ مَعْدِي كَرِبَ فَقَالَ لَهُ : يَا عَمْرُو أَيُّ السِّلَاحِ أَفْضَلُ فِي الْحَرْبِ ؟ قَالَ : عَنْ أَيُّهَا تَسْأَلُ ؟ قَالَ : مَا تَقُولُ فِي السِّهَامِ ؟ قَالَ : تُصِيبُ وَتُخْطِئُ ، قَالَ : مَا تَقُولُ فِي الرُّمْحِ ؟ قَالَ : أَخُوكَ وَرُبَّمَا خَانَكَ ، قَالَ : مَا تَقُولُ فِي التُّرْسِ ؟ قَالَ : هُوَ الدَّائِرَةُ وَعَلَيْهِ تَدُورُ الدَّوَائِرُ ، قَالَ : فَمَا تَقُولُ فِي السَّيْفِ ؟ قَالَ : ذَاكَ ذَاكَ لَا عِرَاكَ وَقَالُوا : السَّيْفُ ظِلُّ الْمَوْتِ ، وَالسَّيْفُ لُعَابُ الْمَنِيَّةِ ، وَالرُّمْحُ رَشَأُ الْمَنِيَّةِ ، وَالسِّهَامُ رُسُلٌ لَا تُؤَامِرُ مَنْ أَرْسَلَهَا ، وَالرُّمْحُ أَخُوكَ وَرُبَّمَا خَانَكَ ، وَالدِّرْعُ مُشْغِلَةٌ لِلرَّاجِلِ مُتْعِبَةٌ لِلْفَارِسِ وَإِنَّهَا الْحِصْنُ الْحَصِينِ وَالتُّرْسُ مِجَنٌّ وَعَلَيْهِ تَدُورُ الدَّوَائِرُ ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ، وَوَصَفَ

١٣٬٨٠٩ / ١٧٬٤٣٨