فصل بغي بعض عسكر على غيره
الجزء ٢٩ · صفحة ٢٤٢وَتَقَدَّمَ الْحُكْمُ فِي الْبَغْيِ بِالْأَمَارَةِ ، وَهُنَا أَذْكُرُ مَا يَكُونُ دَلِيلًا لِجَوَازِ الْحُكْمِ بِالْأَمَارَةِ أَوْ مُنَاسِبًا مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ الْأَثَرِ ، ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ هُوَ مُقَلِّدٌ ، ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَ الْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ وَالْيَمِينِ وَالْإِقْرَارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَثَرِ رَاسِخَةٌ فِي الْقُلُوبِ لِصِحَّتِهَا وَشُهْرَتِهَا ، فَكَانَتْ الْقُلُوبُ تَأْبَى عَنْ الِاجْتِزَاءِ بِالْأَمَارَةِ الَّتِي تُذْكَرُ فِي الدِّمَاءِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ ﴾ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السِّيمَا حَالٌ تَظْهَرُ عَلَى الشَّخْصِ حَتَّى أَنْ لَوْ رَأَيْنَا مَيِّتًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ زُنَّارٌ أَوْ هُوَ غَيْرُ مَخْتُونٍ وَهُوَ كَبِيرٌ لَا نَدْفِنُهُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيُقَدَّمُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ الدَّارِ ، وَكَذَا مِمَّا يُشْبِهُهُ فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ ، بَلْ نُسِبَ لِلْأَكْثَرِ ، وَإِنْ وُجِدَ بِزُنَّارٍ وَهُوَ مَخْتُونٌ فَقِيلَ : لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى قَدْ يَخْتَتِنُونَ ، وَقِيلَ : يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ ، وَلَمَّا أَتَوْا بِقَمِيصِهِ إلَى يَعْقُوبَ فَلَمْ يَرَ فِيهِ خَرْقًا وَلَا أَثَرَ نَابٍ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى كَذِبِهِمْ وَقَالَ : مَتَى كَانَ الذِّئْبُ حَلِيمًا يَأْكُلُ يُوسُفَ وَلَا يَخْرِقُ قَمِيصَهُ ، أَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا الدَّمَ عَلَامَةً فَقَرَنَ اللَّهُ هَذِهِ الْعَلَامَةَ بِعَلَامَةٍ تُكَذِّبُهَا وَهِيَ سَلَامَةُ الْقَمِيصِ مِنْ التَّمْزِيقِ ، قِيلَ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِمْ بِصِحَّةِ الْقَمِيصِ ، وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ ﴾ إلَى قَوْلِهِ : ﴿ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ ، وَكَانَ بَعْضُ قَوْمِنَا يَرَى الْحُكْمَ بِالْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ فِيمَا لَا تَحْضُرُهُ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ قِيلَ : إنَّ تِلْكَ الشَّرِيعَةَ لَا تَلْزَمُنَا مَعَ أَنَّهُ أَيْضًا كَلَامُ غَيْرِ اللَّهِ حَكَاهُ اللَّهُ ، قُلْت :