شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في القران

الجزء ٤ · صفحة ٨٤

وَجَاءَ : ﴿ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، بِلَا عُذْرٍ ﴾ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَتَى بِصُورَةِ الْجَمْعِ بِأَنْ صَلَّى الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا ، وَقَامَ لِلثَّانِيَةِ بَعْدَ فَصْلِ الدُّعَاءِ مَثَلًا ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِرَانَ بِنِيَّةِ أَدَاءِ السُّنَّةِ أَفْضَلُ ، وَإِنْ زَالَ سَبَبُ الْقِرَانِ بَعْدَ إحْرَامِ الثَّانِيَةِ تَمَّ وَإِنْ زَالَ قَبْلَهُ انْتَقَضَ ( لَا لِعَجْزٍ ) أَيْ كَسَلٍ ( وَرَاحَةٍ ) ، وَأَمَّا إنْ قَرَنَ فِي عُذْرٍ مِنْ ذَلِكَ لِلْكَسَلِ وَالرَّاحَةِ وَالْعَجْزِ لَا لِأَدَاءِ السُّنَّةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ مَسْنُونًا ، ( فَالْإِفْرَادُ أَفْضَلُ ) وَلَوْ مَعَ عُذْرٍ إذَا قَصَدَ الْكَسَلَ وَالرَّاحَةَ ، وَقِيلَ : الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ جَمَعَ لِكَسَلٍ لَا لِعُذْرٍ فَأَفْضَلُ بِمَعْنَى فَاضِلٍ وَغَيْرُهُ نَاقِصٌ ، وَقَدْ قِيلَ : لَا ثَوَابَ لِمَنْ جَمَعَ بِلَا عُذْرٍ ، وَيُتَصَوَّرُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنْ يَنْوِيَ الْكَسَلَ لَا أَدَاءَ السُّنَّةِ بِأَنْ يَضْعُفُ قَلْبُهُ كَبَعْضِ الْعَامَّةِ فَلَا يَضِيقُ أَنْ يَنْوِيَ أَدَاءَهَا مَعَ مَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ مِنْ حُبِّ الْجَمْعِ بِالطَّبْعِ وَيُتَصَوَّرُ بِأَنْ يُوجَدَ الْعُذْرُ وَلَا يَدْرِيَ بِالْعِلْمِ أَنَّ الْجَمْعَ بِهِ سُنَّةٌ فَيَقْصِدُ الْجَمْعَ كَسَلًا وَرَاحَةً ، فَفِي بَعْضِ الْقَوْلِ فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَمَنْ لَمْ يُوَافِقْ الْحَقَّ .

وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ كَمَنْ لَمْ يُوَافِقْهُ فَأَفْضَلُ بِمَعْنَى فَاضِلٍ ، وَيَجُوزُ الْجَمْعُ وَلَوْ دَخَلَ بَلَدًا وَأَقَامَ فِيهِ مَا لَمْ يَنْوِهِ وَطَنًا ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْمَعَ ، وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ لَهُ ، وَقِيلَ : لَا يُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ إلَّا فِي الْمَسِيرِ ، وَكَرِهَ الْجَمْعَ بِلَا عُذْرٍ وَلَا غَيْمٍ ، وَفَعَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : فَعَلْتُ لِئَلَّا تُحْرَجَ أَمَتِي ، وَكَذَا فَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِشُغْلٍ وَرَفَعَهُ إلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي

١٬٥٨٤ / ١٧٬٤٣٨