باب في حق الجار
الجزء ٩ · صفحة ٧٦" وَيُقَالُ : رُكُوبُ الْبَحْرِ خَيْرٌ مِنْ مُجَاوِرَةِ جَارِ السُّوءِ ، وَنَهَى أَنْ يُحَقِّرَ عَطِيَّةَ جَارِهِ وَلَوْ كِرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقًا وَرُوِيَ : بِجَرِّ عِظَمِ لِلْمُجَاوِرَةِ ، أَوْ رَفْعِهِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ ، وَرُوِيَ : فِرْسِنِ شَاةٍ - بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالسِّينِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ بَيْنَهُمَا - ، وَهُوَ مَا يَلِي الْأَرْضِ مِنْ رِجْلِ الْجَمَلِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فِرْسِنَ شَاةٍ ، وَلَا يَسْتَحْقِرُ الْمُعْطِي أَيْضًا مَا أَعْطَى ، وَذَلِكَ مُبَالَغَةٌ ، إذْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِإِهْدَائِهِ ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ : ﴿ يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ إحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا وَلَوْ كُرَاعُ شَاةٍ مُحْرَقٌ ﴾ ، وَهُوَ نَهْيٌ لِلْمُهْدِيَةِ أَوْ لِلْمُهْدَى إلَيْهَا أَوْ لَهُمَا ، وَهُوَ أَوْلَى ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُهْدَى إلَيْهَا إلَّا بِجَعْلِ اللَّازِمِ بِمَعْنَى مِنْ ، وَخَصَّ النَّهْيَ بِهِنَّ لِأَنَّهُنَّ مَادَّةُ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ ، وَأَسْرَعُ حُبًّا وَبُغْضًا ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ مَا زَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيَرِثُ الْجَارُ جَارَهُ ﴾ ، وَفِي رِوَايَةٍ : " حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ كَالْوَلَدِ مِنْ الْوَالِدِ " أَرَادَ مُطْلَقَ الْإِرْثِ ، أَوْ سَهْمًا كَسَهْمِ الْوَلَدِ ، وَعَنْ بَعْضٍ يُوَرِّثُهُ عِلْمَهُ ، وَإِنَّ مِنْ حَقِّ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ أَنْ يُعَلِّمَهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ مُلَائِمٍ هُنَا ، وَرُوِيَ : " أَوْصَانِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْت أَنْ لَا يُبْقِي بَعْدَهُ شَيْئًا ، أَيْ لَا يَتْرُكُ شَيْئًا مِنْ الْبِرِّ عَنْهُ بَلْ يُوجِبُ لَهُ كُلَّ بِرٍّ أَوْ لَا يُبْقِي عَنْهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ بَلْ يُعْطِيه كُلَّهُ ، أَوْ يُوصِي لَهُ بِهِ .
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ : الْمُرَادُ بِالتَّوْرِيثِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ سَهْمًا مِنْ الْمَالِ مَعَ الْأَقَارِبِ ، وَقِيلَ : يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ مَنْ يَرِثُ بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ ، وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ ، فَإِنَّ الثَّانِي قَدْ اسْتَمَرَّ ، وَالْخَبَرُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ التَّوْرِيثَ لَمْ يَقَعْ ، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ :