شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

فصل من حق الجار أن تقرضه إذا طلبك

الجزء ٩ · صفحة ١٤١

( وَ ) قَالَ : ( لَا يَمْنَعْهُ ) أَيْ الْجَارُ بِالْجَزْمِ مِنْ نَهْيِ الْغَائِبِ ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَبِيلِ الْغِيبَةِ ، وَيُؤَيِّدُ رِوَايَةَ : ﴿ لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ ﴾ بِالتَّأْكِيدِ بِالنُّونِ ، فَإِنَّ تَأْكِيدَ الْفِعْلِ بَعْدَ لَا النَّاهِيَةِ هُوَ الْكَثِيرُ الشَّائِعُ لَا بَعْدَ النَّافِيَةِ ، وَجَازَ رَفْعُهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ أَنَّ لَا نَافِيَةً وَالْمَعْنَى عَلَى النَّهْيِ ( أَحَدُكُمْ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً ) بِالْأَفْرَادِ ، وَالْمُرَادُ الْجِنْسُ لِيُوَافِقَ رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ خَشَبُهُ بِالْجَمْعِ ( عَلَى جِدَارِهِ إنْ اسْتَأْذَنَهُ ، وَ ) هَذَا الْحَدِيثُ مُقَيَّدٌ بِإِنْ ( لَمْ يَضُرُّهُ ) فَإِذَا اسْتَأْذَنَهُ وَلَا ضَرَرَ وَامْتَنَعَ حُكِمَ عَلَيْهِ أَنْ يُجِيزَ لَهُ وَأَنْ لَا يَمْنَعَهُ ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ جَازَ مَنْعُهُ فَيَكُونُ هَذَا الِاسْتِئْذَانُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ رِوَايَةِ : ﴿ لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ﴾ فَإِنَّ ذَلِكَ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِقَيْدِ الِاسْتِئْذَانِ ، وَهَذَا أَيْضًا مُقَيَّدٌ بِقَيْدِ عَدَمِ الضُّرِّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِئْذَانُ لَيْسَ قَيْدًا مُخَصِّصًا لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بَلْ إرْشَادٌ إلَى مُصْلِحَةٍ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَأْذَنَهُ لَمْ تَتَعَاظَمْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي الْمَنْعِ وَأَبَاحَتْ لَهُ الْغَرْزَ ، وَهَذَا هُوَ الْوَاضِحُ ، فَإِنَّ الْغَرْزَ إذَا كَانَ حَقًّا وَاجِبًا فَلَيْسَ عَدَمُ الِاسْتِئْذَانِ يُبْطِلُهُ ، نَعَمْ يَجْلِبُ تَعَاظُمَ النَّفْسِ وَالْمَنْعَ فَلِلْجَارِ غَرْزُ الْخَشَبِ فِي جِدَارِ جَارِهِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ وَلَوْ مَنَعَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَابْنِ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّة ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ : إنَّ الْجَارَ إذَا امْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ ، وَأَنَّ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ لِلتَّنْزِيهِ ، وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : فَإِنَّ ذَلِكَ حَقٌّ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ عُمَرَ قَضَى بِهِ وَلَمْ

٤٬١٤١ / ١٧٬٤٣٨